تعرف على حكايات القلعة السويدية التي ولدت من جديد خلف البحار
تتربع هلسنكي كعاصمة نابضة بالحياة فوق شبه جزيرة من الجرانيت الصلب على الساحل الشمالي لخليج فنلندا، وتواجه مياه بحر البلطيق بجمال طبيعي أخاذ جعلها أكبر مدن البلاد وأغناها بالنشاطات السياحية، وقد أعيد بناؤها بشوارع واسعة ومتنزهات وافرة بعد حريق مدمر التهم ثلث بنيانها قديماً، مما حولها إلى نموذج فريد للتخطيط العمراني الذي يمزج بين الحداثة والتاريخ الممتد عبر القرون.
يستقر المرفأ الحيوي في قلب العاصمة مباشرة ليستقبل سنوياً مئات السفن السياحية العملاقة، وتعتبر المدينة وجهة مثالية للاستكشاف سيراً على الأقدام أو باستخدام الدراجات الهوائية بفضل نظام النقل العام المتطور، الذي يربط اليابسة بالجزر القريبة عبر قوارب منتظمة تمنح الزوار فرصة ذهبية لاختبار أسلوب الحياة الفنلندي، والاستمتاع بالشواطئ الخلابة التي تزداد سحراً خلال فصل الصيف المبهج.
تعد جزر “سومينلينا” المحصنة جزءاً لا يتجزأ من هوية العاصمة التاريخية، حيث يمكن الوصول إليها في غضون عشرين دقيقة فقط عبر العبارات المائية التي تنطلق بانتظام من الميناء، وتهمين قلعة “سفيبورج” أو القلعة السويدية على المشهد العام للجزيرة بهيكلها الضخم الذي بني في القرن الثامن عشر، قبل أن تتحول لاحقاً إلى متحف ومنطقة ثقافية مدرجة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي.
يمثل متحف “سيوراساري” المفتوح في الهواء الطلق نافذة حقيقية لمعرفة كيف عاش الفنلنديون قديماً قبل العصر الحديث، حيث يضم مجموعة مذهلة من المزارع والبيوت الخشبية والقصور الريفية التي جُلبت من مختلف أنحاء فنلندا، ويرتبط المتحف بالبر الرئيسي عن طريق جسر للمشاة يتيح للسياح مشاهدة النساجين وهم يعملون على المنسوجات التقليدية، قبل الاسترخاء في المقهى التابع للموقع.
تنبض ساحة السوق الشهيرة “كاوباتوري” بالحياة خلال أشهر الصيف وتعتبر ملتقى لعشاق المأكولات التقليدية والسمك المدخن والقهوة، وتحيط بالساحة أهم معالم المدينة مثل القصر الرئاسي وكاتدرائية أوسبنسكي الأرثوذكسية الفاخرة، وتصطف الأكشاك لبيع منتجات الفواكه الطازجة والبازلاء، بينما تنطلق من أطرافها العبارات والحافلات المائية نحو حديقة الحيوانات والرحلات البحرية القصيرة التي تجوب الخليج.
يبرز متحف الفن المعاصر “كياسما” كأحد أهم معالم العمارة الحديثة بتصميمه المتعرج الفريد الذي صممه المهندس الأمريكي ستيفن هول، ويحتوي المتحف على مجموعات فنية فنلندية متميزة ومسرح مخصص للدراما التجريبية وفنون الرقص والموسيقى، ويوفر للزوار خيارات متعددة للقيام بجولات إرشادية تكشف أسرار الأعمال الفنية المعاصرة، والرسائل الإبداعية التي يتبناها الفنانون من مختلف الأجيال.
تستقطب مدينة ملاهي “لينانماكي” العائلات والباحثين عن المرح لقضاء أوقات مليئة بالإثارة والتشويق، حيث تضم أشهر أفعوانية في البلاد وحوالي خمسين لعبة متنوعة تناسب كافة الأعمار، ويمكن للباحثين عن الهدوء الاستمتاع بمشاهدة بانورامية من البرج السياحي الذي يبلغ ارتفاعه خمسين متراً، أو تناول وجبات الهامبرغر والمأكولات المكسيكية والإيطالية في المطاعم المنتشرة داخل المتنزه الترفيهي.
تستقبل حديقة حيوان هلسنكي في “كوركياساري” زوارها منذ نهايات القرن التاسع عشر في موقع طبيعي رائع، وتشتهر عالمياً باحتضانها للنمور السيبيرية والأسود الآسيوية والفهود الثلجية التي تعتبر الجذب الرئيسي للسياح، وتخصص الحديقة جزءاً كبيراً من أرباحها لصالح الأعمال الخيرية وحماية الأنواع المهددة بالانقراض، مما يجعل زيارتها رحلة إنسانية وبيئية تتجاوز مفهوم المتعة التقليدية البسيطة.
يوفر شاطئ “هيتانيمي” الضحل ملاذاً آمناً للعائلات التي تصطحب أطفالها لقضاء يوم كامل من الاستجمام واللعب، ويقع الشاطئ بالقرب من مركز المدينة ويوفر ملاعب لكرة الطائرة وكرة السلة وغرفاً لتغيير الملابس ومقاهي متنوعة، وعلى الرغم من ازدحامه في الأيام المشمسة، إلا أنه يظل الوجهة المفضلة لمن يرغب في أخذ استراحة قصيرة بين جولات المتاحف والمعالم التاريخية.
تنطلق الرحلات النهارية نحو مدينة “هانكو” الساحلية التي تبعد حوالي مائة وثلاثين كيلومتراً عن العاصمة وتتميز بهندستها المعمارية التي تجمع بين الأساليب السويدية والروسية، وقد شهدت هذه المدينة معارك تاريخية دامية عبر العصور بسبب موقعها الاستراتيجي المتنازع عليه، وتكتظ اليوم بالمقاهي والمطاعم الفاخرة التي تروي قصص المهاجرين الفنلنديين القدامى، الذين اتخذوها نقطة عبور نحو العالم الجديد.





