مئذنة تاريخية في الجوف تعيد قراءة تخطيط المساجد الأولى
تحتضن دومة الجندل بمنطقة الجوف مئذنة مسجد الخليفة عمر بن الخطاب التي تعد أول مئذنة شيدت في العصر الإسلامي، حيث تمثل هذه المئذنة علامة بارزة في تاريخ العمارة الدينية، وتعكس مرحلة مبكرة من تطور بناء المساجد، كما تؤكد مكانة دومة الجندل بوصفها موقعا حاضرا في مسار التاريخ الإسلامي.
وتعود أهمية هذه المئذنة إلى تصميمها الهندسي الذي جاء مربعا، إذ يبلغ طول ضلع القاعدة 3 أمتار، ثم يضيق البناء تدريجيا كلما ارتفع، حتى ينتهي بقمة شبه هرمية، وهو أسلوب بناء يعكس البدايات الأولى لعمارة المساجد، ويشير إلى بساطة التخطيط في تلك المرحلة.
ويحمل مسجد الخليفة عمر بن الخطاب في دومة الجندل قيمة تاريخية ومعمارية، حيث يمثل نموذجا للتخطيط المبكر للمساجد الإسلامية، ويشابه في تخطيطه العام مسجد الرسول في المدينة المنورة، إذ جاء البناء مستطيلا محافظا على السمات الأساسية التي ميزت المساجد الأولى.
ويبرز المسجد كأحد أبرز المعالم الدينية في منطقة الجوف، لما يجمعه من عناصر معمارية تعكس المرحلة التأسيسية للعمارة الإسلامية، حيث حافظ عبر القرون على ملامحه العامة، ما جعله مرجعا مهما للباحثين في تاريخ المساجد وبدايات تطورها.
ويتميز المسجد ومئذنته باستخدام فنون البناء الطيني التي ما زالت تحتفظ بمكوناتها الأصلية، حيث أسهمت هذه المواد في تماسك البناء واستمراره، كما تعكس طبيعة البيئة المحلية وأساليب البناء السائدة في ذلك العصر.
ويضم المسجد منبرا تقليديا صمم ليساعد على نقل صوت الإمام إلى الصفوف الخلفية، في وقت لم تكن فيه وسائل الصوت الحديثة متاحة، وهو ما يبرز الحلول المعمارية التي اعتمد عليها البناؤون آنذاك لخدمة الوظيفة الدينية للمسجد.
وتتوسط أعمدة البناء مساحة المسجد، حيث منحت الكتلة العمرانية تماسكا واضحا، وأسهمت في توزيع الأحمال، كما تعكس فهما مبكرا لأسس البناء، وتظهر قدرة البنائين على توظيف العناصر المتاحة لتحقيق الاستقرار الإنشائي.
وتعكس المئذنة من خلال موقعها ووظيفتها بداية تنظيم الأذان وارتباطه بعنصر معماري واضح، حيث لم تكن المآذن شائعة في المراحل الأولى، ما يجعل مئذنة دومة الجندل شاهدا على تطور هذا العنصر في العمارة الإسلامية.
وتسهم هذه المئذنة التاريخية في تعزيز مكانة دومة الجندل كوجهة ثقافية وتراثية، حيث تشكل نقطة جذب للمهتمين بالتاريخ الإسلامي، وتفتح المجال أمام دراسة أعمق لمراحل تشكل العمارة الدينية في الجزيرة العربية.
وتواصل الجهات المعنية جهودها في الحفاظ على المسجد ومئذنته، ضمن مساعي صون التراث الوطني، وإبراز المعالم التاريخية، بما يضمن نقل هذا الإرث المعماري للأجيال القادمة بوصفه جزءا من الذاكرة الإسلامية.





