رحلة بين الساحات والنوافير تكشف طبقات التاريخ والحياة اليومية في روما
تتمركز روما في الجزء الأوسط الغربي من إيطاليا كأكبر مدنها وعاصمتها النابضة بالحياة، ويمتد تاريخها العريق لأكثر من 2500 عام، وتزخر المدينة بالمعالم الأثرية والآثار القديمة والفنون التي تجعلها نقطة انطلاق مثالية لاستكشاف بقية البلاد، وتشتهر بكونها مركز الإمبراطورية الرومانية ومقر مدينة الفاتيكان التي تحتضن كاتدرائية القديس بطرس وكنوز عصر النهضة، وتجذب روما عشاق الجمال بمتاحفها التي تضم روائع مايكل أنجلو ورافائيل وكارافاجيو.
تبدأ الأسطورة ببناء روما على يد التوأمين رومولوس وريموس لتصبح لاحقاً مركزاً عالمياً للقوة، وشهدت المدينة تأسيس الجمهورية عام 509 قبل الميلاد وصولاً إلى الإمبراطورية التي ضمت أكثر من 50 دولة حديثة، وتعتبر اليوم من أكثر الأماكن زيارة في العالم وموقعاً مدرجاً ضمن التراث العالمي لليونسكو، وتتميز بمزيج فريد يجمع بين مواردها الأثرية كالقنوات المائية والقصور وبين نمط الحياة العصرية المتطور.
يقع الكولوسيوم أو المدرج الروماني البيضوي في قلب المدينة كأبرز رموز الإمبراطورية الرومانية القديمة، ويستقبل المعلم أكثر من ستة ملايين زائر سنوياً لمشاهدة الممرات تحت الأرض والأبواب السرية التي شهدت معارك المصارعين، ويُصنف كواحد من عجائب الدنيا السبع حيث تم تغيير اسمه من المدرج الفلافي لوجود تمثال نيرون عند مدخله، وتقتصر الزيارة حالياً على 3000 شخص في وقت واحد لضمان حماية هذا الإرث التاريخي العالمي.
يُعد البانثيون أحد أفضل المعالم المحفوظة ويشتهر بقبته الخرسانية غير المدعمة التي تُعد الأكبر عالمياً، وتعمل الفتحة الدائرية “الأوكولوس” في مركز القبة على إضاءة الداخل بالضوء الطبيعي المنعكس على الرخام والأعمدة الجرانيتية، ويضم الموقع رفات ملوك إيطاليا الراحلين وقبر الفنان العظيم رافائيل بالقرب من ساحة روتوندا، ويجسد البناء براعة الهندسة الرومانية التي صمدت لقرون طويلة بفضل جودة المواد المستخدمة في تشييده.
بُنيت نافورة تريفي عام 1762 على يد الفنان نيكولا سالفي كنموذج رائد لفن الباروك العالمي، وتشتهر بتصميمها المذهل ومنحوتاتها الدقيقة التي تجذب الحشود خاصة عند إضاءتها بشكل ساحر خلال ساعات الليل، ويحرص الزوار على اتباع تقليد إلقاء العملات المعدنية في مياهها طمعاً في العودة إلى المدينة الخالدة مرة أخرى، وتعتبر النافورة من أكثر المواقع حيوية حيث تمزج بين الجمال الفني والأساطير الشعبية المتوارثة.
تُعرف متاحف الفاتيكان بلقب “بيت الألف فن” وتضم واحدة من أثمن المجموعات الفنية في العالم أجمع، وتمتد المعروضات على مسافة سبعة كيلومترات من الممرات والقاعات التي تحوي مومياوات مصرية وتماثيل برونزية ولوحات حديثة، وينصح الزوار بالاستعانة بمرشد سياحي لاستكشاف هذه القاعات التي تجسد قروناً من التاريخ والجمال، وتعتبر زيارة المتاحف تجربة شاملة تعكس تطور الفن الروماني والعالمي عبر العصور المختلفة.
تتربع متاحف الكابيتولين على قمة تل شهير وتضم مجموعة أثرية بدأت ببرونزيات تبرع بها البابا سيكستوس الرابع، وتتألف المجموعات من أربعة مبانٍ تحيط بساحة عامة يتصل ثلاثة منها عبر معرض تحت الأرض يمتد أسفله، وتشمل هذه المباني قصر مجلس الشيوخ وقصر المحافظين وقصر نوفو بالإضافة إلى قصر كافاريلي المنضم حديثاً، وتوفر المتاحف نظرة معمقة على الفنون والآثار التي جمعتها روما على مر الأعوام الطويلة.
يحتضن معرض بورغيزي في ساحة شيبيوني قصر فيلا بورغيزي الرائع المحاط بحدائق غناء تعود للقرن السابع عشر، ويضم المعرض تحفاً ومنحوتات نادرة لفنانين كبار مثل برنيني وتيتيان وروبنز وبوتيتشيلي بجانب أعمال رافائيل الشهيرة، وتعتبر لوحة فينوس فيكتوريانا المرسومة عام 1805 رمزاً للمتحف الذي يطبق نظاماً صارماً باستقبال 300 زائر فقط في كل جولة، لضمان الحفاظ على اللوحات الجدارية والفسيفساء التي تزين الأسقف والجدران.
يبرز قوس قسطنطين كأكبر قوس روماني شُيّد على الإطلاق بارتفاع يصل إلى 21 متراً وعرض 26 متراً، وبُني النصب من كتل رخامية ضخمة احتفالاً بانتصار الإمبراطور في معركة جسر ميلفيان عام 312 ميلادياً، ويتألف النصب من ثلاثة أقواس تتوسطها فتحة كبيرة وجانبان أصغر حجماً بأسلوب معماري رصين، ويقف هذا النصب التاريخي كشاهد على عظمة العمارة الرومانية وقدرتها على تخليد الانتصارات العسكرية الكبرى.
يُعد سوق كامبو دي فيوري في ساحة نافونا مركزاً حيوياً للحياة الرومانية ومقصداً لشراء المنتجات الطازجة وأدوات الطبخ، وتتحول الساحة ليلاً إلى محور للازدحام حيث تمتلئ الشرفات بالزوار الذين يتناولون أشهى المأكولات مثل فطر البورشيني والهليون، ويُنصح المتسوقون بتجنب المنتجات المخصصة للسياح لارتفاع أثمانها والتركيز على السلع المحلية الأصيلة، حيث يمثل السوق الإيقاع اليومي الحقيقي لسكان روما في قلب مركزها التاريخي النابض.
تتألق ساحة نافونا كتحفة باروكية تضم ثلاث نوافير رائعة هي نافورة الأنهار الأربعة والمورو ونبتونو بجمال معماري فريد، وتعتبر الساحة وجهة مفضلة لفناني الشوارع والموسيقيين الذين يعرضون لوحاتهم وسط روائح الطعام الطازج المنبعثة من المقاهي، وقد صمم هذا الفراغ الحضري الفنانان بوروميني وبرنيني ليصبح مكاناً للاحتفالات والعروض الفنية المفتوحة، مما يضفي أجواءً من البهجة والأناقة الباروكية على المسارات السياحية في المدينة.
تشكل ساحة ديل بوبولو المدخل الشمالي التاريخي لروما وتتميز بمزيج من التصميم الكلاسيكي الحديث والعمارة الباروكية الفاخرة، وكانت الساحة قديماً هي البوابة الرئيسية التي يصل عبرها الأجانب والرحالة إلى المدينة الخالدة من جهة الشمال، وتقع الساحة بالقرب من معالم هامة مثل السلالم الإسبانية وفيلا بورغيزي مما يجعلها نقطة انطلاق مثالية، وتجسد في تصميمها عظمة الترحيب الروماني بالزوار عبر العصور التاريخية المختلفة.
يُعد طريق أبيا القديم أحد أهم الطرق في التاريخ الغربي وأكثرها حفاظاً على حالتها الأصلية منذ إنشائها، ويمتد الطريق عبر ريف خلاب يزدان بالآثار والأضرحة والمقابر والقصور الرومانية القديمة في الجزء الجنوبي للمدينة، وتبدأ الأحجار الأصلية من خارج أسوار أورليان مباشرة حيث يفضل استكشاف المسار سيراً على الأقدام أو بالدراجة، ليبقى الطريق شاهداً على المثل القائل بأن كل الطرق تؤدي حتماً إلى روما.
تستغرق الرحلة الجوية من المملكة العربية السعودية إلى روما ما بين 5 إلى 6 ساعات تقريباً، وتتوفر رحلات مباشرة من الرياض وجدة عبر شركات طيران متعددة لتسهيل وصول السياح إلى العاصمة الإيطالية، وتعتمد روما عملة اليورو كعملة رسمية للتداول ويُنصح بتحويل الأموال قبل السفر لضمان سهولة المعاملات، وتوفر المدينة خيارات واسعة للسكن تتراوح بين الفنادق الفاخرة والنزل التراثية التي تناسب كافة الميزانيات.
يمتد أفضل وقت لزيارة روما من شهر أبريل وحتى أوائل شهر نوفمبر حيث يسود طقس دافئ، وتتراوح درجات الحرارة في هذه الفترة بين 15 و32 درجة مئوية مما يسهل استكشاف الساحات المفتوحة، وتعتبر شهور ديسمبر ويناير وفبراير فترة هدوء سياحي توفر أسعاراً أفضل للباحثين عن السكينة بعيداً عن الزحام، بينما يشهد شهرا يوليو وأغسطس ذروة الحرارة والنشاط السياحي المكثف في كافة المعالم الرئيسية.
يعتمد المطبخ الروماني على المكونات الطازجة المجلوبة من منطقة كامبانيا ولحوم منطقة تيستاكيو المشهورة بجودتها العالية، ويُنصح السياح بتذوق خبز باني دي جينزانو وجبن بيكورينو رومانو في مطاعم أصيلة مثل أوستريا بونيلي وفاريني لا بيتزا، وتوازن الثقافة المحلية بين التقاليد كغداء يوم الأحد العائلي وبين الحداثة في الموضة وأسلوب الحياة، لتبقى روما مدينة تجمع بين عبق الماضي وتطلعات المستقبل العالمي.





