خطة دخول دليل ميشلان إلى المملكة العربية السعودية لدعم سياحة الطعام وفق رؤية 2030
تحركت رغبات البشر بين فلسفتي الأكل للبقاء أو العيش للاستمتاع، حيث يشكل الطعام ضرورة أساسية للحياة ومصدراً للإلهام والإبداع في آن واحد، وظهرت سياحة الطعام لتلبي شغف المسافرين وراء تجارب الأكل الفريدة التي تعكس هوية الأمكنة وتقاليدها العريقة، مما يمنح المذاق والرائحة أبعاداً ثقافية تتجاوز مجرد سد الجوع.
سعت المملكة العربية السعودية ضمن رؤية 2030 لخلق اقتصاد مزدهر، فعملت على تطوير قطاع المطاعم لجذب محبي الطهي من مختلف بقاع الأرض، وأعلنت هيئة فنون الطهي بالتعاون مع دليل ميشلان عن دخول هذا التصنيف العالمي للمملكة، بهدف تقديم تجارب طعام استثنائية تضع المدن السعودية على خارطة الوجهات السياحية العالمية المرموقة.
لعبت الممارسات الغذائية دوراً حاسماً في تشكيل حضارة الإنسان عبر العصور، واعتُبر استكشاف النكهات نافذة على تاريخ الشعوب ورفاهيتها وتطورها، إذ جلب المستكشفون قديماً التوابل المدهشة والفواكه الغريبة من عوالم بعيدة إلى أوروبا، وكان النبلاء يسافرون خصيصاً بحثاً عن مذاقات فريدة يجلبون معهم تقنياتها ومكوناتها السرية لأوطانهم.
أزهرت سياحة الطهي في القرن 19 مع تقدم حركة النشر والصحافة، فظهرت كتب الطبخ وأدب الرحلات التي وثقت مطابخ العالم وألهمت القراء السفر والترحال، وساهم تطور وسائل المواصلات في جعل البحث عن تجارب الطهي الجديدة أكثر سهولة، مما كرس لمفهوم الانغماس في ثقافة الطعام المحلية كدافع رئيسي للسفر.
تأسست شركة ميشلان للإطارات عام 1889 في بلدة فرنسية صغيرة تدعى كليرمون فيران، ووضع الأخوان أندريه وإدوارد دليلاً أحمر صغيراً لتشجيع السياح على استخدام سياراتهم التي لم يتجاوز عددها آنذاك 3000 سيارة، وضم الدليل الأول معلومات تقنية وخرائط وقوائم لمحطات الوقود والفنادق وتم توزيعه مجاناً في بداياته.
قررت الشركة فرض رسوم على الدليل عام 1922 بعد ملاحظة استخدامه بطرق غير لائقة، وأدخل الأخوان تغييرات جذرية شملت إدراج المطاعم وفق فئات محددة وتعيين مفتشين سريين، وبدأ الدليل بمنح النجوم للمطاعم الفاخرة عام 1926 بنجمة واحدة فقط، ثم تطور النظام لاحقاً ليشمل الهرم الثلاثي المعروف حالياً بالتصنيفات النجمية.
نشرت معايير التصنيف عام 1936 لتحدد قيمة النجمة الواحدة بالمطعم الجيد جداً في فئته، بينما تعني النجمتان أن الطبخ ممتاز ويستحق الزيارة أما الثلاث نجوم فتشير لمطبخ استثنائي، وتحول لون الغلاف من الأزرق للأحمر عام 1931 وظل ثابتاً، حتى أن قوات الحلفاء استخدمت خرائطه في الحرب العالمية لكونها الأكثر دقة.
اعتمد المفتشون المجهولون خمسة معايير رئيسية لتقييم جودة المطاعم حول العالم، وتضمنت جودة المكونات وتناغم النكهات وإتقان التقنيات المستخدمة وشخصية الطاهي المميزة في أطباقه، كما ركز المفتشون على معيار الاتساق لضمان جودة التجربة في كل مرة، مما جعل الدليل المرجع الأول والمرموق في عالم الضيافة.
انتشر الدليل خارج فرنسا ليصل لإيطاليا عام 1956 ثم بريطانيا والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، وتوسع ليشمل كندا وفيتنام وإستونيا والإمارات العربية المتحدة في عام 2022، وسجلت دبي حضورها كأول مدينة عربية تنضم للدليل بتتويج 11 مطعماً، وصولاً للإعلان التاريخي عن دخول الدليل للمملكة العربية السعودية في عام 2025.
بذلت ميشلان جهوداً استثنائية للحفاظ على سرية هوية المراجعين الذين يزورون المطاعم كزبائن عاديين، وتتحمل الشركة كافة تكاليف وجباتهم ونفقاتهم لضمان النزاهة المطلقة وعدم التأثر بصاحب المطعم، ويكتب المفتشون تقارير مفصلة تُعرض في اجتماعات سنوية سرية لتحديد من يستحق النجوم أو من يفقدها أو من يُمنح لقب النجوم الصاعدة.
أطلق الدليل رموزاً جديدة مثل النجمة الخضراء عام 2020 للتميز في الاستدامة البيئية، وظهر شعار “بيب غورماند” منذ عام 1997 للإشارة للمطاعم التي تقدم طعاماً جيداً بأسعار معقولة، كما استُخدم رمز الطبق أو المطاعم المختارة لتقدير الجودة البسيطة، وبدأ منح “مفاتيح” الفنادق عام 2024 لتقييم التميز المعماري وجودة الخدمة.
جمع الشيف الشهير جويل روبوشون 31 نجمة ميشلان خلال مسيرته المهنية الحافلة بالنجاحات، وتلاه طهاة عالميون بارزون مثل آلان دوكاس بـ 21 نجمة وغوردون رامزي بـ 13 نجمة، ويُقيّم الدليل حالياً أكثر من 40,000 منشأة في قارات مختلفة، محققاً مبيعات تجاوزت 30 مليون نسخة بفضل نهجه الجاد والفريد في عالم الطهي.





