تعرف على أسرار العاصمة الثقافية للمغرب التي تمزج بين دقات النحاس وعبق التاريخ الحي
شكلت مدينة فاس العاصمة الثقافية للمغرب وجهة تاريخية عريقة تمنح زائرها شعوراً بالانغماس داخل كتاب تاريخ حي، إذ تقع هذه المدينة القديمة المسورة في شمال شرق البلاد وتندرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وتنفرد باحتضانها أقدم جامعة ومكتبة في العالم يعود تاريخ تأسيسهما إلى عامي 859 و1359 على التوالي.
أكد منظم الرحلات محمد جوجكياض أن التراث في فاس لا يشاهد من بعيد فحسب بل يعاش بكل الحواس البشرية، حيث يسمع الزوار دقات النحاس ويستنشقون رائحة المصنوعات الجلدية في الأزقة العتيقة، ويشاهدون الحرفيين وهم يتبعون نفس طرق عمل أجدادهم القديمة، وكأن الحرفة لديهم تمثل هوية وطنية وليست مجرد تجارة عابرة.
اعتبرت فاس نواة المغرب الحديث وأطلق عليها لقب أم المغرب نظراً لنشأة العديد من المدارس والحرف والتقاليد فيها، وتكافئ المدينة زوارها بتجارب عميقة وفريدة خاصة وسط تلك الأزقة الضيقة التي يخفي كل باب خلفها حكاية تاريخية، مما يجذب الأشخاص الذين يفضلون السفر ببطء بعيداً عن الجداول الزمنية الصارمة للبحث عن معاني الزخارف.
اتسم أهل فاس بالوقار والاحترام وحسن الكلام مع وجود تقدير كبير للعلم والدين والأدب في مجتمعهم المحافظ، وتعد منطقة فاس البالي واحدة من أفضل المدن التي حافظت على طابعها المعماري من العصور الوسطى في العالم، وهي عبارة عن متاهة من الشوارع التي تتيح للزوار شراء التذكارات من الأسواق النابضة بالحياة.
اشتهرت مدرسة العطارين بتصميمها الهندسي المدروس وحرفيتها المتقنة التي تتجلى في زخارفها البديعة، ويعد فناء المدرسة الواقع في قلب المبنى مع أرضياته وجدرانه من المعالم التي تبهر السائحين بهدوئها الأنيق، بينما يحمل مسجد القرويين الذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع إرثاً دينياً وثقافياً بالغ الأهمية كونه مركزاً للعلم.
ضمت مكتبة المسجد مخطوطات قيمة تشمل أعمالاً أدبية وعلمية وتاريخية تجذب العلماء والطلاب من شتى أنحاء العالم، ووفرت المدينة نشاطات متنوعة للأطفال مثل ورش قصيرة حول الزليج أو الفخار تمكنهم من الرسم والتلوين، بالإضافة إلى دروس طبخ خفيفة وجولات في السوق لتعلم أسرار المكونات مثل الزعفران والقرفة.
استمتع الشباب بجولات طعام محلية تتيح لهم تذوق المأكولات التقليدية وسماع القصص المرتبطة بكل طبق، فضلاً عن مشاهدة غروب الشمس من نقاط بانورامية وتناول العشاء مع عروض الموسيقى والفلكلور المغربي، بينما فضل محبو الهدوء زيارة متحف البطحاء الذي يقدم سياقاً جميلاً للفنون والحرف وتاريخ المدينة العريق بعد ترميمه.
شرح الأدلاء المحليون المعاني والدلالات الرمزية للأبواب والزخارف التي تخبر الزوار عن هوية فاس العميقة، ويمكن تجربة الحمام المغربي المرفه داخل الرياضات باستخدام الأعشاب والعطور المحلية كالورد وزهر البرتقال لتجديد الروح، وتظل البسطيلة الفاسية من أشهر الأطباق المحلية التي تمزج بين المذاق الحلو والمالح باستخدام اللوز والتوابل.
عكست السفة المدفونة المكونة من الشعيرية الرقيقة المزينة بالسكر والقرفة واللحم المتبل ذوق المطبخ الفاسي الرفيع، ويحضر هذا الطبق بكثرة في الأعراس والمناسبات جنباً إلى جنب مع طاجين البرقوق واللوز ذو الرائحة الزكية، وينصح الخبراء بالبحث عن المطاعم المحلية الصغيرة في الأحياء الهادئة للحصول على نكهة أصلية وأسعار أنسب.
انتهت الرحلة في أزقة فاس التي لا تنام حيث يمتزج عبق الماضي بمتطلبات السياحة الثقافية الحديثة، وتبقى المدينة قادرة على إبهار كل من يبحث عن الجمال في تفاصيل الزليج أو في هدوء الرياضات المغربية، لتمثل فاس بذلك ذاكرة حية للهوية المغربية التي تشكلت عبر القرون بفضل العلم والحرفة والتقاليد الراسخة.





