كيف يعيد تطوير جامع المنسف بناء الروح المجتمعية للزلفي
انطلق مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية ليعيد الروح لجامع المنسف بمحافظة الزلفي، حيث ركزت أعمال التأهيل على إبراز الطابع النجدي المميز الذي اشتهر به المسجد منذ عقود طويلة، مع الحفاظ الكامل على هويته العمرانية التي تحاكي بيئة نفوذ الثويرات الطبيعية.
يقع هذا المعلم الديني في موقع استراتيجي شمال غرب منطقة الرياض بوصفه نقطة عبور تاريخية، إذ ارتبط المسجد منذ نشأته عام 1290هـ بحركة القوافل المتجهة نحو شمال المملكة ودول الخليج العربي، وشكل محطة أساسية للمسافرين القاصدين زيارة الأراضي المقدسة في تلك الحقبة الزمنية.
تولى الشيخ علي بن جار الله بن غزي وذريته بناء الجامع بمساهمة فاعلة من أسر المحافظة، ليكون صرحاً اجتماعياً ودينياً يتجاوز كونه مكاناً للصلاة فقط إلى كونه مركزاً لتعليم القرآن الكريم، مما منحه قيمة معنوية كبيرة في نفوس الأجيال المتعاقبة التي عاصرت مراحل نموه وتطوره.
استخدم البناؤون الأوائل في تشييده مواد محلية بسيطة شملت الطين وخشب الأثل وجريد النخل، ليعكس المسجد بطرازه المعماري القديم قدرة الإنسان على التكيف مع الظروف المناخية الصعبة، وظل الجامع صامداً أمام عوامل الزمن بفضل عمليات الترميم المتلاحقة التي كان آخرها عام 1391هـ.
تبلغ مساحة المسجد قبل البدء في أعمال التطوير الأخيرة نحو 200 متر مربع فقط، حيث كان يضم بيتاً للصلاة وسرحة خارجية وخلوة أرضية مخصصة للعبادة، بالإضافة إلى دورات مياه منفصلة ومدخلين رئيسيين يقعان في الجهة الجنوبية لتسهيل حركة دخول وخروج المصلين بانتظام وسلاسة.
شملت خطة التطوير الحديثة رفع الطاقة الاستيعابية للجامع لتصل إلى 150 مصلّياً بدلاً من 87، مع زيادة المساحة الإجمالية للمبنى لتصبح 337 متراً مربعاً بعد إضافة مرافق خدمية جديدة، تضمنت مصلى خاصاً بالنساء ومستودعاً ومواضئ حديثة روعي فيها معايير السلامة الإنشائية العالمية.
اعتمدت الشركات السعودية المتخصصة في المباني التراثية على تقنيات دمجت بين الأصالة والحداثة، حيث تم استخدام نفس المواد التقليدية لضمان استدامة الهيكل الإنشائي دون المساس بالهوية البصرية، وذلك تحت إشراف مهندسين سعوديين امتلكوا الخبرة الكافية للتعامل مع المكونات المعمارية الدقيقة للمساجد التاريخية.
يهدف المشروع بصفة أساسية إلى استعادة الأصالة العمرانية وإبراز البعد الحضاري العميق للمملكة، من خلال تأهيل هذه المواقع الدينية لتستقبل المصلين في بيئة تجمع بين الروحانية والتراث، مما يعزز من مكانة المساجد التاريخية كشواهد حية على التاريخ الديني والثقافي والاجتماعي للمنطقة.
تجسد هذه الخطوة الالتزام الوطني بالحفاظ على الموروث العمراني وتوريثه للأجيال القادمة بشكل مشرف، حيث تساهم إعادة تأهيل جامع المنسف في تعزيز الحضور الديني لهذا المعلم العتيق، مع الحفاظ على بصمة الأجداد التي تظهر بوضوح في كل زاوية من زوايا المسجد المطوّر.
تستمر الجهود الاستراتيجية لتشمل عدداً كبيراً من المساجد التاريخية في مختلف مناطق المملكة العربية السعودية، حيث يتم التركيز على تحقيق التوازن بين متطلبات البناء الحديث وضرورات الحفاظ على التراث، لضمان بقاء هذه المعالم شامخة تؤدي دورها في العبادة ونشر العلم والقيم الإسلامية.





