حكاية البرج الصامد منذ عام 1195هـ ودوره في حماية الموارد الزراعية بالسعودية
تستحضر محافظة الخرج التابعة لمنطقة الرياض أمجاد الدولة السعودية الأولى خلال احتفالاتها بيوم التأسيس، حيث تبرز المعالم التاريخية كشواهد حية على ما أرسته الدولة من دعائم الوحدة والأمن والاستقرار، ويأتي قصر الكوت الواقع في مركز السلمية كأحد أهم هذه الرموز الوطنية العريقة.
يُعرف القصر بأسماء متعددة بين أهالي المنطقة ومنها كوت الجهل أو برج الكوت الشهير، ويعود تاريخ تشييده إلى عام 1195هـ الموافق 1781م في عهد الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد، ليكون حصناً دفاعياً منيعاً يحمي أمن المنطقة ويعزز من استقرارها السياسي والعسكري.
مثلت محافظة الخرج والمناطق المجاورة لها ثقلاً استراتيجياً وزراعياً كبيراً في تلك المرحلة التاريخية، مما دفع قيادة الدولة السعودية الأولى لتأمينها بإنشاء قصر الكوت ليكون نقطة ارتكاز أمنية، تضمن سلامة الموارد الغذائية والمساحات الخضراء التي اشتهرت بها السلمية قديماً.
يعد قصر الكوت نموذجاً مثالياً للعمارة الدفاعية التي سادت في القرن الثامن عشر الميلادي، حيث شُيد بأسوار ضخمة تحيط بساحاته وأبراج مراقبة عالية موزعة بدقة هندسية، وهو ما مكنه من أداء دوره الحربي في رصد التحركات المعادية وحماية حدود البلدة بكفاءة.
تبقت من البناء الأصلي أجزاء من الأسوار التاريخية التي قاومت عوامل الزمن والظروف المناخية، ويبرز من بين تلك الأطلال برج الكوت الذي لا يزال قائماً وشامخاً بصفته شاهداً أثرياً، يروي لزوار المحافظة تفاصيل حقبة تاريخية مهمة من مسيرة بناء الدولة السعودية.
تولي الجهات المختصة عناية خاصة بهذا الموقع الأثري المسجل رسمياً ضمن المعالم الوطنية، إذ تندرج هذه الرعاية في إطار جهود الدولة الرامية للحفاظ على التراث الوطني الأصيل وصونه، لضمان نقله للأجيال القادمة كرمز للتضحية والعمل الجاد في سبيل الوطن.
تجمع عمارة القصر بين البساطة والقوة التي ميزت البناء في نجد خلال تلك الفترة، حيث استخدمت المواد المحلية في التشييد لضمان ملاءمة المبنى للبيئة الصحراوية المحيطة به، مما جعل منه أيقونة معمارية تعبر عن ذكاء المهندس السعودي القديم في استغلال الموارد المتاحة.
يشكل قصر الكوت اليوم وجهة سياحية وثقافية هامة للباحثين والمؤرخين المهتمين بتاريخ الدولة السعودية، حيث يمنحهم فرصة لدراسة الأساليب الدفاعية المتبعة قديماً وفهم التحولات السياسية والاجتماعية بالمنطقة، ويسهم في تعزيز الوعي الثقافي بالهوية الوطنية المتجذرة في أعماق التاريخ.
يستقبل مركز السلمية المهتمين بزيارة البرج التاريخي والتعرف على قصص البطولات التي دارت حوله، وتعمل البرامج الوطنية على دمج هذه المواقع في المسارات السياحية المعتمدة بمنطقة الرياض، بهدف إبراز القيمة المعنوية والمادية للمعالم التي عاصرت مراحل التأسيس الأولى.
تعكس بقايا القصر الروح الوطنية التي صمدت لقرون طويلة في وجه التحديات المختلفة، وتظل الأسوار القائمة حتى عام 2026 علامة فارقة في تاريخ محافظة الخرج العريق، لتؤكد أن مسيرة الوحدة بدأت من مثل هذه القلاع التي حمت الأرض والإنسان في آن واحد.





