كواليس الحياة داخل 19 طابقاً عالقاً بين مياه الخليج وتوترات السماء
تستيقظ الاسكتلندية ليزلي بالانتاين في الساعات الأولى من الصباح على صوت تنبيه طارئ، حيث حذرها هاتفها المحمول من تهديد صاروخي محتمل وطلب منها الاحتماء فوراً، بينما كانت سفينتها السياحية راسية وسط أضواء ميناء دبي المتلألئة في ظلام دامس، لتبدأ فصلاً جديداً من فصول الانتظار القسري في ظل تصاعد النزاع الإقليمي المرتبط بإيران.
تعد السفينة السياحية الضخمة يوريبيا واحدة من عدة سفن غير قادرة حالياً على الإبحار، إذ يبلغ طولها 331 متراً وتتألف من 19 طابقاً مليئة بالركاب الذين تحولت رحلتهم الترفيهية إلى ترقب مفتوح، بعدما اضطرت شركات الملاحة لتغيير مساراتها البحرية وتأجيل مواعيد المغادرة، نتيجة المخاوف الأمنية المتزايدة التي طالت موانئ الخليج والبحر الأحمر.
تروي بالانتاين تجربتها لمراسلي الصحافة العالمية مؤكدة سماع دوي انفجارات في الأفق البعيد، كما شاهدت الدفاعات الجوية وهي تعترض عدة صواريخ في الأجواء المحيطة بموقع رسو السفينة، ورغم هذه المشاهد الصعبة فإنها فضلت العودة إلى سريرها بعدما شعرت أن الخطر لا يزال بعيداً عنها، لتبدو اللحظة مزيجاً غريباً بين الهدوء والتهديد المباشر.
تجسد هذه اللحظات غرابة الموقف الذي انتاب آلاف الركاب وأفراد الطاقم العالقين في دبي، حيث أكدت شارون كوكرام وهي راكبة بريطانية أخرى أنها لم تتخيل يوماً التواجد في قلب أزمة كهذه، إذ اعتادت على مشاهدة الحروب والنزاعات الدولية عبر شاشات التلفاز من منزلها الآمن، قبل أن تجد نفسها محاصرة داخل سفينة عملاقة تنتظر قرار الإبحار.
ترسو في المنطقة عدة سفن تابعة لشركات رحلات بحرية يونانية وألمانية في موانئ الدوحة وأبوظبي، ومن بينها سفينة سيليستيال ديسكفري وسفينتي ماين شيف 4 و5 اللتين تتبعان لشركة توي الألمانية، حيث بدأت بعض هذه الشركات بتنظيم رحلات جوية خاصة لإعادة ركابها، مثل الرحلة التي غادرت يوم الأربعاء متجهة إلى ميونيخ وعلى متنها 218 راكباً.
يأمل بقية المسافرين على متن السفن المتأثرة بأن يتمكنوا من العودة إلى أوطانهم في نهاية المطاف، لكن الوضع الجيوسياسي المتقلب يجعل مواعيد المغادرة غير واضحة المعالم حتى الآن، وتتوق كوكرام للعودة بشكل خاص إلى المملكة المتحدة لرؤية ابنتها الحامل التي ستضع مولودها، مما يزيد من حدة التوتر العاطفي لدى العالقين بعيداً عن ديارهم.
تؤكد الركاب أنهن يشعرن بالأمان النسبي فوق متن السفينة ولا يمانعن البقاء حتى استقرار الأوضاع، ولديهن حجوزات لرحلات جوية مرتقبة يوم السبت بتاريخ 7 مارس المقبل يأملن في تنفيذها، بينما تصف بالانتاين الأجواء العامة بأنها إيجابية ولا يوجد أي شعور بالذعر، رغم وجود بعض القلق الطبيعي الذي يخيم على أحاديث الضيوف اليومية.
يحاول المسافرون الاستمتاع بعطلتهم التي اتخذت طابعاً مختلفاً تماماً عما كان مخططاً له في البداية، إذ تستمر الفعاليات الترفيهية على متن السفينة بشكل طبيعي للمساعدة في الحفاظ على هدوء الأعصاب، وقد شارك الركاب مساء الإثنين في حفلة بيضاء ارتدى فيها الجميع ملابس بيضاء بالكامل، وسط أجواء من الرقص والاستمتاع بالطعام والشراب المتميز.
تصف بالانتاين محاولة الاستمتاع بالاحتفالات على وقع أصوات الدفاعات الجوية بأنها تجربة سريالية للغاية، حيث تمتزج مشاعر الفرح بالخوف من المجهول في مشهد مشحون بالمشاعر المتناقضة، خاصة وأنها كانت تعلم بتوترات المنطقة قبل انطلاق الرحلة، لكنها لم تتوقع أن تتأثر خطط عودتها بهذا الشكل المباشر الذي فرض عليها البقاء في الميناء.
تعمل شركة إم إس سي كروزس مع السفارات والمكاتب الأجنبية لإعادة الركاب إلى بلدانهم فور استئناف الملاحة الجوية، وأفادت في بيان رسمي أن الهدوء يسود كافة المرافق وأن الضيوف يتمتعون بوصول كامل لجميع الخدمات، مع التأكيد على ضمان أعلى معايير الرعاية والراحة لكل من الركاب وأفراد الطاقم الذين يؤدون مهامهم باحترافية عالية.
تسعى السلطات المحلية في الإمارات لتغطية تكاليف الطعام والإقامة لعشرات الآلاف من المسافرين العالقين، في مبادرة تعكس الالتزام الإنساني تجاه زوار البلاد في هذه الظروف الاستثنائية الصعبة، مما يخفف من وطأة المعاناة النفسية والمادية التي يواجهها السياح الذين وجدوا أنفسهم وسط صراع سياسي وعسكري لم يكن في حسبانهم أبداً.





