الأخبار

ذاكرة الصوان تخطو نحو الضوء.. نجران تحيي أسرار الخيمة

استقطبت فعاليات “الخيمة التراثية” المدهشة انتباه وتقدير أعداد غفيرة من زوار مهرجان “الرقش النجراني” السنوي، الذي تتولى تنظيمه أمانة المنطقة بنجاح باهر، وقد شكلت الخيمة التراثية بحد ذاتها نافذة حية وناطقة على ملامح الحياة القديمة والبسيطة في نجران العريقة، وعكست بصدق وشفافية أصالة وعراقة المجتمع النجراني الراسخ، مما جعلها محطة رئيسية لا يمكن تجاوزها للزوار.

تنوعت المعروضات المتألقة داخل أرجاء الخيمة بشكل لافت للنظر، حيث اشتملت على مجموعة واسعة من الصناعات الفخارية والجلدية المتقنة الصنع، بالإضافة إلى عرض للحرف اليدوية الدقيقة التي تتطلب مهارة عالية، كما ضمت الخيمة مجموعة كاملة من الملابس الشعبية التقليدية لكل من الرجال والنساء، إلى جانب قطع ثمينة من الحلي والفضة المزخرفة، والتي تعود لقرون خلت.

تجسد هذه المعروضات التراثية القيمة الهوية الثقافية العريقة والثرية لمنطقة نجران بشكل كامل، وقد لاقت استحساناً وإعجاباً كبيراً ومباشراً من قبل الزوار بمختلف أعمارهم وخلفياتهم الثقافية، وهذا يؤكد على أهمية ودور التراث في ربط الأجيال الحديثة بماضيها المجيد، ويعكس القوة الكامنة للقصة التاريخية التي ترويها كل قطعة معروضة بدقة.

تهدف هذه الفعالية الثقافية المهمة والمقامة في الخيمة إلى إحياء الموروث الشعبي الأصيل لمنطقة نجران بشكل فعال، والتعريف بالمخزون التراثي الغني والعميق الذي تتميز به المنطقة عن غيرها، وذلك من خلال عرض منتجات دقيقة الصنعة والتشكيل، والتي بدورها تعكس المهارة العالية والخبرة المتراكمة للحرفيين المحليين، وتحكي تاريخ المنطقة الممتد عبر العصور.

جسّدت الخيمة التراثية المفتوحة أمام الجمهور قصة أصالة متجددة ونابضة بالحياة، حيث تحمل في طياتها للأجيال الحالية والشابة إرثاً إنسانياً ملهماً وقيماً، يروي بفخر واعتزاز حكايات الثقافة النجرانية الأصيلة ومكانتها الحضارية الكبيرة، وهذا يؤكد بقوة على مكانة هذه الثقافة ضمن الذاكرة الوطنية والتاريخية للمملكة، كجزء لا يتجزأ من النسيج الوطني الشامل.

يُعد مهرجان “الرقش النجراني” أحد أهم المنصات الثقافية والاجتماعية التي تنظمها أمانة المنطقة، حيث يوفر هذا المهرجان مساحة تفاعلية مباشرة لتبادل الخبرات بين الحرفيين القدامى والجمهور الشغوف بالتعرف على المهن التقليدية التي كانت سائدة، وتشجع هذه اللقاءات على استدامة هذه الحرف من خلال نقلها إلى الأجيال الشابة المهتمة بالحفاظ على هويتها.

تُبرز الصناعات الجلدية المعروضة في الخيمة مدى إتقان الحرفي النجراني في التعامل مع المواد الخام المتوفرة محلياً، وتحويلها إلى أدوات ومنتجات عملية وجمالية في آن واحد، مثل الأواني الجلدية والحقائب والمحافظ التقليدية المصنوعة يدوياً، التي تُظهر مستوى عالياً من الإبداع الفني والدقة في التفاصيل والتشطيبات.

تُشكل الملابس الشعبية، سواء الخاصة بالرجال أو النساء، جزءاً هاماً من المعروضات التي تجذب اهتمام الزوار بشكل كبير، حيث تعكس الأزياء التقليدية التنوع والجمال في التصاميم النجرانية، وتستخدم في حياكتها الأقمشة والألوان والزخارف التي تحمل رموزاً ودلالات اجتماعية وتاريخية مرتبطة بالمنطقة الجبلية والصحراوية، مما يحفز على التساؤل والتعلم.

تلعب الحلي والفضة المعروضة دوراً محورياً في إبراز الجانب الجمالي من تراث نجران الغني، وتُعد هذه القطع الفضية المزخرفة يدوياً شاهداً على مهارة الصاغة المحليين، وتُظهر كيف كانت هذه الحلي تُستخدم كجزء أساسي من زينة المرأة النجرانية التقليدية ومهرها، مما يربطها بالطقوس الاجتماعية والاحتفالية العريقة.

تُسهم أمانة منطقة نجران من خلال تنظيم مثل هذه الفعاليات الثقافية المركزة في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، وذلك من خلال الحفاظ على التراث الوطني وإحيائه، وجعله عنصراً فاعلاً في جذب السياحة الثقافية والداخلية، مما يثري تجربة الزائر ويعزز الانتماء والاعتزاز بالهوية المحلية العريقة، ويحول التراث إلى مصدر للإلهام والتعلم.

تؤكد “الخيمة التراثية” بوضوح أن التراث ليس مجرد ذكريات من الماضي السحيق، بل هو جسر حي ومستمر يربط الأجيال الحالية بأجدادهم وحضارتهم القديمة، وتعمل على تذكير الشباب بالمهارات والخبرات التي شكلت هويتهم الثقافية الفريدة، وتدعوهم إلى صون هذا الإرث والاحتفاء به بشكل دائم.

يُشجع النجاح الباهر الذي حققته الخيمة التراثية على تكرار هذه المبادرات وتوسيع نطاقها في المهرجانات القادمة، وذلك لتقديم جوانب أخرى من الحياة التقليدية لنجران التي لم يتم تسليط الضوء عليها بعد، وهذا سيساهم في تقديم صورة شاملة وغنية عن التراث الثقافي غير المادي للمنطقة، ويعزز مكانة نجران كمدينة ثقافية ذات عمق تاريخي وجغرافي.

يتفاعل الزوار بشكل كبير مع الحرفيين المشاركين في الخيمة، حيث يتبادلون معهم الأحاديث حول تاريخ الصناعات وكيفية صنعها يدوياً، وهذا التفاعل المباشر يُضفي على التجربة طابعاً إنسانياً وشخصياً، ويحول المعرض الثابت إلى ورشة عمل حية ومتحركة، مما يعزز القيمة التعليمية والترفيهية للفعالية التراثية المتكاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى