بحر الرمال الأعظم.. الربع الخالي يروي حكايات العمق والأصالة
تحتل صحراء الربع الخالي، وهي أكبر صحراء رملية متصلة في العالم، مركزاً عالمياً متقدماً ومتميزاً من حيث المساحة الجغرافية الشاسعة، إذ تأتي على مساحة تقدر بحوالي 640 ألف كيلومتر مربع كاملة، مما يجعلها تُشكِّل نسبة هائلة تصل إلى نحو 67.7% من إجمالي التجمعات الرملية الموجودة في المملكة العربية السعودية، وهذا يوضح حجمها الهائل والمسيطر.
أكد رئيس جمعية الآثار والتاريخ بمنطقة نجران، الأستاذ محمد آل هتيلة، أن صحراء الربع الخالي تحمل في طياتها وتحت كثبانها مواقع أثرية ذات قيمة تاريخية لا تُقدر بثمن، ومن أمثلة هذه المواقع “عروق المندفن” و”عرق البير” و”آبار خطمة” الأثرية، بالإضافة إلى “آثار خشم العان” القديمة، مما يشير إلى أن هذه المنطقة لم تكن خالية تماماً من الوجود البشري في الماضي البعيد.
تضم الصحراء أيضاً محمية “عروق بني معارض” الطبيعية، التي تقع في الجزء الشمالي من نجران، وتُعد هذه المحمية ملاذاً للعديد من الكائنات الحية والنباتات البرية المتكيفة مع الظروف الصحراوية القاسية، مما يبرز التنوع البيولوجي الذي يمكن أن يوجد حتى في البيئات الأكثر جفافاً وقسوة، وتؤكد على أهمية المحافظة على البيئة الصحراوية.
تُعدّ الربع الخالي، بحق، أكبر الصحاري الرملية المتصلة في العالم دون منازع، إذ تحتل ثلث المنطقة الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية بأكملها، وتتميز هذه الصحراء الشاسعة بكثبانها الرملية الشاهقة التي يصل ارتفاع بعضها إلى 300 متر، وهذا يمنحها منظراً جيولوجياً فريداً ومدهشاً يخطف الأبصار، .
تتسم التشكيلات الكثبانية الرملية في الربع الخالي بتنوعها اللافت، فتشمل الكثبان الهلالية الشكل، والكثبان الطولية المعروفة محلياً باسم “العروق”، بالإضافة إلى الحقول النجمية ذات الأذرع المتعددة والمعقدة، فيما تنتشر في أجزاء منخفضة من الصحراء ظاهرة “السبخات” المالحة، وهي تتكوّن من الطين والملح عقب هطول الأمطار النادرة، وتخلق مسطحات بيضاء براقة.
تتميز الصحراء أيضاً باحتضانها لثروات طبيعية باطنية بارزة وذات أهمية اقتصادية عالمية كبيرة، تشمل احتياطيات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي، ومن أبرزها حقل شيبة العملاق، وحقل الغوار الذي يُصنّف كأكبر حقل نفطي في العالم، مما يؤكد أن هذه البيئة الصحراوية القاسية هي كنز طبيعي لا ينضب، ومصدر رئيسي للطاقة العالمية.
تزخر المنطقة كذلك بمعادن اقتصادية أخرى مثل الجبس والملح الصخري، بالإضافة إلى وجود كميات كبيرة من الرمال الزجاجية عالية الجودة التي تُستخدم في الصناعات المختلفة، وتحتوي أيضاً على موارد مائية جوفية ضخمة ومهمة للغاية، ومن أبرزها تكوين الوجيد المائي في موقع النقيحاء.
يزوّد تكوين الوجيد المائي منطقة نجران المجاورة بمياه الشرب الضرورية، مما يبرز أهمية الربع الخالي كمخزون استراتيجي للمياه العذبة تحت الأرض، رغم مظهره السطحي القاحل، وتؤكد هذه الثروات الباطنية على الأهمية الجيولوجية والاستراتيجية لهذه الصحراء الشاسعة، التي تتجاوز مجرد كونها مساحة رملية مترامية الأطراف.
يُشجع هذا التنوع الجغرافي والجيولوجي على استمرار الأبحاث والدراسات العلمية في الربع الخالي، لفهم التغيرات المناخية التي مرت بها المنطقة على مر العصور، وكيف أثرت هذه التغيرات على تشكيل الكثبان وتوزيع الموارد الطبيعية الحيوية، مما يساهم في فك شيفرة تاريخها البيئي القديم.
يُمكن للباحثين استخدام الكثبان الرملية الشاهقة كـ سجل جيولوجي لدراسة أنماط الرياح القديمة والتغيرات في هطول الأمطار، وهذا يفتح آفاقاً جديدة في علم المناخ القديم (paleoclimatology)، ويساعد في التنبؤ بالتغيرات المستقبلية المحتملة في البيئة الصحراوية الحساسة.
تمثل صحراء الربع الخالي تحدياً بيئياً وهندسياً في نفس الوقت للمشاريع التنموية الكبرى في المملكة، حيث يتطلب العمل في هذه الظروف القاسية تكنولوجيا متقدمة وخبرة متخصصة، لضمان استدامة البنية التحتية وحماية البيئة الطبيعية والموارد الأثرية الموجودة تحت الرمال المتحركة.
يؤكد آل هتيلة على ضرورة التوثيق الدقيق للمواقع الأثرية المكتشفة في الربع الخالي وحمايتها من العوامل الطبيعية والبشرية، وذلك قبل أن تطمرها الكثبان المتحركة بشكل نهائي، مما يضمن الحفاظ على هذا التراث الإنساني المشترك للأجيال القادمة، وهذا يتطلب جهداً مشتركاً من علماء الآثار والبيئة.





