الأخبار

قصة القرية المبنية فوق ارتفاع ألفي متر بسقف العرعر

يصف أهالي محافظة المخواة قرية ذي عين التاريخية بأنها إحدى عجائب الجزيرة العربية الحقيقية، حيث تتدفق مياه العين فيها بشكل متواصل على مدار العام دون انقطاع، ويعود السبب في ذلك إلى وجود نظام مائي عريق ينطلق من موقع مرتفع يُعرف باسم القلّة، الذي يشكل نقطة البداية لرحلة المياه نحو مزارع وأهالي المنطقة.

ينساب الماء من القلّة عبر ممر صخري جرى نحته هندسياً ببراعة فائقة لحمايته من التآكل، ليقود الجريان عبر شلالات صغيرة وصولاً إلى الحقول الزراعية المنتشرة في أسفل القرية، ويبرز هذا التصميم الذكي قدرة الإنسان القديم على تطويع التضاريس القاسية لصالح استمرارية الحياة والزراعة، محققاً توازناً بيئياً نادراً في تلك المرتفعات.

ابتكر أهالي قرية ذي عين آليات دقيقة لإدارة هذه الثروة المائية عبر تنظيم صارم للسقي، ويشمل هذا النظام ما يعرف بالأطواف التي يبلغ عددها اثني عشر طوفاً موزعة بدقة، بما يضمن توزيع المياه بعدالة تامة بين المزارعين والأهالي، مما عزز روح التكافل الاجتماعي وحافظ على ديمومة الموارد رغم شح الأمطار في بعض المواسم.

أسهمت هذه الحوكمة المائية التاريخية في ضمان استمرار جريان العين رغم تقلبات المناخ المختلفة، وهو الأمر الذي ساعد السكان في الحفاظ على زراعة محاصيل مميزة تشتهر بها المنطقة، مثل الموز والكادي والبن العربي الأصيل، ليرسخ ذلك ارتباطهم الوثيق بتراثهم الثقافي الذي بقي حاضراً في عاداتهم وهويتهم وأهازيجهم الشعبية المتوارثة.

تحظى مياه ذي عين بمكانة مقدسة ومميزة لدى الأهالي لكونها تمثل العصب الأساسي للحضارة، فهي تدعم حياة الإنسان والنشاط الزراعي منذ مئات السنين دون توقف أو نضوب، كما تجذب القرية الزوار باستمرار بفضل تلك الروائح الذكية التي تفوح من مزارعها، حيث تنتشر نباتات الكادي والريحان والشيح والبعيثران العطرية الفواحة.

تفيض مزارع القرية بمنتجات ريفية متنوعة تشمل الحبوب الأساسية مثل الذرة والدخن، وتعد منطقة الباحة بشكل عام من أهم المناطق الزراعية ذات الميزة النسبية العالية في المملكة، لما تتمتع به من تنوع مناخي وتضاريسي فريد بين السراة وتهامة، مما يتيح فرصاً واعدة في مجال الاستثمار السياحي والزراعي والصناعات المرتبطة بها.

تمثل القرى الحجرية والمواقع الأثرية مثل ذي عين ركيزة أساسية للهوية الثقافية السعودية، حيث تتميز القرية بتاريخها العريق الممتد عبر السنين والموثق من خلال النقوش الإسلامية المبكرة، وتقع هذه الأعجوبة على ارتفاع يصل إلى ألفي متر فوق مستوى سطح البحر، مما يمنحها إطلالة مهيبة تسحر الألباب وتستحضر عبق الماضي البعيد.

شيدت منازل القرية من الحجارة الصلبة مع استخدام أسقف من أغصان أشجار العرعر القوية، وقد جُلبت هذه الأخشاب خصيصاً من الغابات القريبة لضمان متانة البناء ومقاومته للعوامل الجوية، وتزدان شرفات المنازل بأحجار المرو الكوارتز المرتبة على شكل مثلثات متلاصقة بيضاء، تمنح الواجهات الحجرية جمالية فنية وهندسية فريدة من نوعها.

يعكس بقاء قرية ذي عين وتدفق مياهها حتى اليوم قصة كفاح ونجاح بين الإنسان وبيئته، حيث لم يكن الماء مجرد مورد طبيعي بل كان المحرك الأساسي لصياغة نمط حياة متكامل، وبقيت تلك العين شاهدة على عبقرية الأجداد في إدارة الأزمات المائية، لتصبح اليوم مقصداً سياحياً يجمع بين جمال الطبيعة وعظمة البناء الهندسي التاريخي.

تستمر ذي عين في سرد فصول حكايتها لكل زائر يطأ أرضها المروية بماء الشلالات العذب، وتثبت أن الحفاظ على الموروث المائي هو السبيل الوحيد لبقاء الحضارات وازدهار الأوطان عبر العصور، لتظل الباحة وأوديتها منجماً للجمال والإنتاج الزراعي الذي يغذي الروح والجسد، ويحفظ ذاكرة الأرض للأجيال القادمة بكل فخر واعتزاز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى