وجهة إسبانية تقدم نموذجًا لمدينة أوروبية تعيش تاريخها في الحاضر
تتربع مدينة سرقسطة في شمال شرق إسبانيا كجوهرة ثقافية وتاريخية تستحق الاستكشاف، حيث تمتد بجمالها المعماري على ضفاف نهر إيبرو العريق لتقدم مزيجاً فريداً بين التراث الأيبيري القديم والحداثة النابضة، وتوفر المدينة لزوارها رحلة عبر الزمن تبدأ من القلاع الرومانية وتمر بالقصور الإسلامية وصولاً إلى الكاتدرائيات الباروكية والنهضوية الفاخرة.
يعتبر فصل الشتاء وقتاً مثالياً لاكتشاف سحر سرقسطة بعيداً عن صخب المدن الكبرى، إذ يضفي ضوء الشمس الشتوي بريقاً خاصاً على العمارة المذهلة التي تجمع بين الطرز الرومانية والإسلامية والمسيحية، بينما يفضل البعض زيارتها في شهري مايو وأكتوبر حين تكون درجات الحرارة معتدلة ومناسبة للتجول في الأسواق والساحات المفتوحة دون عناء.
تبدأ الجولة في ساحة بيلار المركزية التي يطلق عليها السكان لقب صالون المدينة، وتضم هذه الساحة كاتدرائية نوسترا سينيورا ديل بيلار المهيبة التي صُممت بطراز باروكي يطل مباشرة على النهر، ويتاح للزوار الصعود إلى سطح الكاتدرائية للحصول على إطلالات بانورامية خلابة تكشف تفاصيل المدينة القديمة ومبانيها التاريخية التي تعود لقرون مضت.
يربط جسر بيدرا الحجري الشهير بين أجزاء المدينة القديمة والحديثة عبر نهر إيبرو، ويعد هذا الجسر التاريخي المنصة الأنسب لالتقاط الصور التذكارية للكاتدرائية والمعالم المجاورة لها، ويستمر المسار السياحي ليصل إلى كاتدرائية سلفادور المعروفة باسم لا سيو، والتي تتميز ببرج جرس من القرن 17 وأسقف داخلية مزينة باللونين الذهبي والأبيض الفاخر.
يقع قصر المايسترانزا الملكي للكاباليريا بالقرب من كاتدرائية لا سيو كنموذج فريد لعصر النهضة، ويستقبل القصر الزوار في عطلات نهاية الأسبوع للاستمتاع بقبته الخشبية الرائعة وتصميمه الداخلي العريق، ويشكل القصر جزءاً من سلسلة معالم تاريخية تعكس الهوية الملكية للمنطقة وتبرز الحرفية الفنية التي تميزت بها إسبانيا في القرن 16.
يستطيع عشاق التاريخ قضاء يوم كامل في استكشاف مسار متاحف سيزاروغوستا الرومانية، ويشمل هذا المسار التعليمي متحف الحمامات العامة ومسرح سيزاروغوستا والمنتدى الروماني القديم، وتستعرض هذه المتاحف جذور المدينة التي تأسست عام 14 قبل الميلاد، مما يمنح المسافر فهماً عميقاً للتطور العمراني والاجتماعي الذي شهدته المنطقة عبر آلاف السنين.
يبرز قصر الجعفرية المحصن كأحد أهم النماذج المعمارية الإسلامية خارج إقليم الأندلس، ويعود تاريخ هذا القصر إلى القرن 11 ويتميز بأقواسه العربية والمنحوتات الدقيقة التي تزين جدرانه الداخلية، وقد استخدمه الملوك الكاثوليك لاحقاً قبل أن يصبح مقراً لبرلمان أراغون، ليظل شاهداً حياً على تداخل الحضارات الذي شكل الهوية الإسبانية المعاصرة.
يستمتع الأطفال والناشئة بزيارة حوض أسماك سرقسطة الذي يعد من أكبر الأحواض النهرية في أوروبا، وتوفر المدينة خيارات ترفيهية متنوعة تشمل التجديف بالكاياك في النهر واستكشاف فنون الشارع في حي إل غانشو، كما تشتهر المنطقة بتاريخ عريق في إنتاج الشوكولاتة، مما يجعلها وجهة محببة للعائلات التي تبحث عن المتعة والمعرفة في آن واحد.
يقدم سوق سرقسطة المركزي تجربة حسية فريدة من خلال واجهة الفن الحديث التي تعود لعام 1903، ويضم السوق أكشاكاً تبيع المأكولات البحرية والخضروات الطازجة والمخبوزات التقليدية التي تعكس جودة المطبخ الأراغوني، ويعتبر التواجد في هذا المكان فرصة للاندماج مع السكان المحليين والتعرف على عاداتهم اليومية في قلب المركز التجاري التاريخي للمدينة.
تعد سرقسطة نقطة انطلاق مثالية للرحلات اليومية نحو القرى والمدن التاريخية المجاورة مثل بلشيت وتيرويل، وتوفر الطبيعة المحيطة بها مسارات للمشي وركوب الدراجات وسط المحميات الطبيعية مثل متنزه مونكايو، مما يجعل الرحلة إليها تجربة سياحية شاملة تجمع بين صخب الأسواق وهدوء الريف وعبق التاريخ في مزيج قلما تجده في وجهة أخرى.





