تعرف على تجربة الغوص والمشي لمسافات طويلة بين السلاحف والإغوانا البحرية النادرة
يعد أرخبيل غالاباغوس الوجهة المثلى لاستكشاف سحر الطبيعة وتجليات التطور البيولوجي في أكثر صورها بدائية، حيث تتخذ السلاحف العملاقة وأسراب طيور الأطيش زرقاء القدمين وإغوانات البحر السريعة من هذه الصخور البركانية موطناً حصرياً لها، وتطورت كائنات هذه الجزر النائية بمعزل عن التهديدات البشرية مما جعلها تفتقر تماماً لغريزة الخوف من الإنسان.
يصنف اليونسكو هذه الجزر كمتحف حي ومعرض عالمي للتطور الطبيعي فوق كوكب الأرض، إذ تضم المنطقة أرخبيلاً يتألف من 19 جزيرة رئيسية وأكثر من 107 جزر صخرية تزخر بأنواع حيوانية متوطنة، ويمثل هذا الموقع الجغرافي الفريد نقطة التقاء لثلاث صفائح تكتونية مما يمنحه تضاريس جيولوجية ومسارات حيوية لا تتوفر في أي بقعة جغرافية أخرى.
يرتبط اسم الجزر تاريخياً بالعالم تشارلز داروين الذي استلهم منها كتابه الشهير أصل الأنواع لوضع حجر الأساس لنظرية التطور، وتتبع الجزر إدارياً لدولة الإكوادور حيث تربط معظم شركات الطيران الرحلات عبر العاصمة كيتو نحو خمس جزر مأهولة، وتعتبر جزيرة سانتا كروز القاعدة الأكثر شعبية وانطلاقاً للجولات السياحية والأنشطة الاستكشافية التي تستهدف التعرف على التراث الأصيل لأمريكا الجنوبية.
تتباين فترات الزيارة المثالية للأرخبيل بناءً على رغبة السائح في مشاهدة دورات حياة الحيوانات المتنوعة، إذ يجذب الموسم البارد والجاف من يونيو إلى نوفمبر طيور القطرس والبطاريق بفضل صعود العوالق لسطح المحيط، بينما يفضل المغامرون الموسم الدافئ من ديسمبر إلى مايو لمراقبة فقس بيض السلاحف العملاقة والاستمتاع ببحار هادئة تناسب الغوص والأنشطة المائية تحت السطح.
تتوقف معظم الرحلات المنظمة في محمية إل تشاتو للسلاحف لمشاهدة المخلوقات الضخمة التي تنتمي لعصور ما قبل التاريخ، ويُنصح دوماً بزيارة هذه المحمية الواسعة برفقة مرشد سياحي متخصص لتفادي الضياع وسط النباتات الكثيفة، وتوفر هذه الجولة فرصة نادرة لمراقبة عصافير داروين وبطاريق غالاباغوس في بيئتها الطبيعية الأصلية التي لم تشهد تدخلات تقنية حديثة.
يمثل الغوص والغطس السطحي الطريقة الأفضل لاستكشاف ثراء الحياة البرية في أعماق المحيط المحيط بالأرخبيل، حيث يسبح السياح بجانب فقمات الفراء وأسود البحر والحيتان الحدباء والدلافين والسلاحف البحرية الخضراء، وتوفر المياه الصافية رؤية واضحة للشعاب المرجانية والتكوينات الصخرية الغارقة التي تشكل نظاماً بيئياً متكاملاً يتناغم مع الحياة الفطرية الموجودة على اليابسة.
يتطلب استكشاف الجزر الصغيرة ممارسة المشي لمسافات طويلة نظراً لافتقارها إلى بنية تحتية متطورة أو طرق معبدة، ويستطيع الزائر التنزه في ثاني أكبر فوهة بركانية في العالم وهي فوهة سييرا نيغرا الواقعة بجزيرة إيزابيلا، كما يمكن سبر أغوار أنفاق الحمم البركانية في سانتا كروز عبر مسارات مخصصة تتطلب لياقة بدنية عالية وقدرة على التحمل في ظل الظروف المناخية المتقلبة.
ينبغي على المسافرين إدراك حساسية النظام البيئي في غالاباغوس واختيار أماكن إقامة مستدامة تلتزم بالمعايير البيئية الصارمة، كما يجب حمل مبالغ نقدية كافية من البر الرئيسي نظراً لأن معظم المعاملات داخل الجزر لا تدعم البطاقات الائتمانية، ويساهم السفر بمسؤولية في الحفاظ على هذا الإرث العالمي للأجيال القادمة مع ضمان عدم إزعاج الحيوانات التي تتصرف بعفوية مطلقة.
يؤكد الخبراء أن سلوك الحيوانات في هذه المناطق النائية يظل غير متوقع ورؤيتها ليست مضمونة دائماً بجدول زمني محدد، لذا يتوجب على السائح التحلي بالصبر والهدوء لمراقبة التفاعلات الفطرية التي قد تمنحه مناظر خلابة في لحظات مفاجئة، وتعتبر الجولات الجماعية تحت إشراف الخبراء الوسيلة الأكثر أماناً وفعالية للوصول إلى المواقع المخفية التي يصعب على الفرد بلوغها بمفرده.
يختتم المغامر رحلته في جزر غالاباغوس بذكريات فريدة عن تلاحم الجغرافيا البركانية مع قصص العلم والتاريخ الطبيعي، وتظل هذه التجربة استثماراً معرفياً وبصرياً يربط الإنسان بجذوره الفطرية في مكان تطور فيه الزمن بمعزل عن صخب العالم، مما يجعلها الوجهة الأهم لكل باحث عن الهدوء والجمال البري في قلب المحيط الهادئ النائي والغامض.





