أسرار القرى العائمة التي تعيش على إيقاع المد والجزر خلف صخور الحجر
تجسد مياها خليج هالونج الزمردية حلماً حقيقياً يتراءى أمام العيون في شمال فيتنام، حيث تبرز أبراج الحجر الجيري كأساطير حية أدرجتها اليونسكو ضمن التراث العالمي، ويمتد هذا الخليج الشاسع على مساحة تزيد على 1500 كم²، محتضناً آلاف الجزر والكهوف المخفية وقرى الصيادين التي تطفو فوق السطح بكل سحر.
تمنح الرحلة بالطائرة المائية منظوراً مختلفاً تماماً يبتعد عن ضوضاء الموانئ التقليدية، ويتحول العالم من الأعلى إلى فسيفساء من المياه الخضراء القاتمة والقمم المغطاة بالضباب الكثيف، وتنكشف بحيرات مخفية تلمع كأوعية من اليشم بينما تنجرف قوارب الصيد الصغيرة بين الصخور، مما يترك أثراً باقياً في ذاكرة الزوار بعد الهبوط مباشرة.
يوفر جبل با ديو ملاذاً هادئاً للباحثين عن السكينة فوق مرتفعات المدينة الصاخبة، حيث تهمس أشجار الصنوبر في الهواء الذي يحمل رائحة الخشب والبخور العطرية الدافئة، ويعد هذا الجبل مكاناً مثالياً للتأمل بعيداً عن الحشود خاصة في الصباح الباكر، حين يغلف الضباب الخفيف التلال ويمنح المكان جواً من الهدوء والوقار.
ينبض قلب الخليج في قراه العائمة التي ترتاح برفق على صفحة الماء المالح، وتعيش العائلات هناك لأجيال طويلة وفق إيقاع الصيد وإصلاح الشباك في المنازل الملونة، وتسمح زيارة هذه المجتمعات بالتحرك بهدوء بين البيوت لمراقبة تفاصيل الحياة البسيطة، حيث تضيء شمس الصباح الماء باللون الذهبي وتكشف عن تقاليد عريقة وتوازن بيئي دقيق.
تبدأ مغامرة أخرى عندما يحل الظلام وتتوهج الفوانيس فوق أسطح القوارب الخشبية، وتتحول الصخور الصماء إلى ظلال سوداء بينما تتمايل عصي الصيد لجذب الحبار الفضولي، ويعد الصيد ليلاً نشاطاً تأملياً مبهجاً يجمع بين صوت الأمواج وضحكات المسافرين تحت ضوء النجوم، لا سيما في الليالي المظلمة بين شهري نوفمبر وفبراير.
تكتمل التجربة بقضاء ليلة واحدة على الأقل في رحلة بحرية هادئة وضبابية، حيث يلمع الضوء على الصخور كالحرير ويتوقف الزوار للسباحة في الخلجان المنعزلة تماماً، وتوفر الكهوف مثل سونج سوت وتيين كونغ مشاهد سحرية لتشكلات الصواعد التي تشبه الثريات، مما يمنح وقتاً كافياً للتجديف بالكاياك ومشاهدة لحظات الشروق والغروب الساحرة.
تبدأ صباحات المتذوقين بلفائف الأرز الرقيقة المحشوة بالفطر مع كعك الحبار المقلي يدوياً، وتنتشر أكشاك المأكولات البحرية على واجهة البحر لتقديم الحبار المشوي والبلح البحري والجمبري، ويعتبر تذوق هذه الأطباق المحلية جزءاً أصيلاً من اكتشاف هوية الخليج، الذي يجمع بين نكهات الأرض الطازجة وخيرات المحيط العميقة.
تتيح حافلات المدينة المكشوفة استكشاف المعالم البرية المحيطة بالخليج بكل سهولة ويسر، حيث تنكشف الشواطئ والأسواق المزدحمة من الطابق العلوي للحافلة التي توفر دليلاً صوتياً، ويمكن للزوار التوقف عند متنزه صن وورلد أو متحف كوانغ نينه باستخدام تذاكر مرنة، مما يجعل التنقل بين المحطات والحدائق تجربة سياحية متكاملة وممتعة.





