بلد أوروبي يوازن بين العملة والوقت والمسافة ويعيد ترتيب خطط السفر
تعد النمسا بلداً غنياً بالتاريخ والأماكن الخلابة والأنشطة الفريدة التي تميز منطقة وسط أوروبا، حيث تصنف إلى جانب جارتها سويسرا كعاصمة للرياضات الشتوية بفضل جبال الألب الساحرة، وتحظى بشعبية مماثلة في فصل الصيف لدى السياح الذين يزورون قصورها الفاتنة وقراها المطلة على البحيرات الزرقاء، ويستمتعون برحلات المشي في المناظر الطبيعية التي تضم طريق غروسغلوكنر الألبي وكهف آيسريزنفيلت الجليدي الأكبر عالمياً.
شهدت النمسا تقلبات تاريخية كبرى منذ استيطان وادي الدانوب وتعاقب حضارات السلت والرومان والبافاريين، وصولاً إلى حكم آل هابسبورغ الذي استمر لستة قرون وبسط نفوذه في كامل القارة الأوروبية، ومع تداعيات الحروب النابليونية تأسست الإمبراطورية النمساوية ثم الملكية المزدوجة مع المجر عام 1867، وهو نظام استمر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 قبل استعادة السيادة الكاملة في 15 مايو 1955.
تشتهر السياحة في النمسا بإنجازات معمارية فريدة تتجلى في القلاع والمباني والأقواس والمدن القديمة العريقة، وتزخر البلاد بأفضل المعالم التراثية التي تعكس أنماط العمارة القوطية والرومانية والباروكية التي تعود للعصور الوسطى، كما تبرز كوجهة ثقافية عالمية بفضل تراثها الموسيقي الذي يضم أسماء لامعة مثل موزارت وشتراوس وشوبرت، مما يجعلها واحدة من أكثر الوجهات زيارة في العالم بفضل ثرواتها الطبيعية.
يسمح لمواطني الاتحاد الأوروبي وسويسرا والعديد من الدول مثل الولايات المتحدة وأستراليا واليابان بدخول النمسا، حيث يمكنهم البقاء لمدة تصل إلى 90 يوماً خلال أي فترة تقدر بنحو 180 يوماً، ولا يحتاج هؤلاء إلا لجواز سفر ساري المفعول لأغراض السياحة أو الأعمال التجارية، بينما تتطلب الإقامات الأطول أو الرغبة في العمل الحصول على تأشيرة مسبقة، وتطبق قواعد محددة على حاملي جوازات السفر البيومترية.
يبقى قصر شونبرون شامخاً في فيينا كمركز للحياة البلاطية النمساوية والأوروبية منذ القرن الثامن عشر، وكان المقر الرئيسي لأباطرة هابسبورغ وسكنته شخصيات بارزة مثل ماريا تيريزا والإمبراطور فرانز جوزيف، ويعد القصر اليوم أحد أهم المعالم السياحية حيث يمكن للزوار استكشاف 40 غرفة فخمة تروي كل منها حكاية، ويوفر القصر جولات بصحبة مرشدين سياحيين للاطلاع على نمط الحياة الإمبراطورية المترفة.
يمثل قصر هوفبورغ الإمبراطوري مجمعاً ضخماً كان بمثابة المقر الملكي الرسمي لآل هابسبورغ حتى الحرب العالمية الأولى، وقد شيد القصر على مراحل تاريخية مختلفة أضيفت خلالها الإسطبلات والمكتبة ومدرسة الفروسية الإسبانية العريقة، ويمكن للزوار التجول في المتاحف الموجودة داخل القصر من مدخل ساحة ميخائيلر الشهيرة، والاطلاع على الشقق الملكية السابقة بالإضافة إلى مجموعة الفضة الإمبراطورية البراقة التي تعكس ثروة العائلة.
تضم دار أوبرا فيينا الحكومية سلالم رخامية وأسقفاً مزخرفة تضفي عليها فخامة ورونقاً مميزاً في قلب شارع رينغشتراسه، وقد شيد المبنى في القرن التاسع عشر على طراز عصر النهضة الحديث وتم ترميمه بعد الحرب العالمية الثانية، وتعد تجربة حضور عرض موسيقي أو حفل راقص في هذه الدار تجربة لا تنسى للسياح، حيث تمثل فيينا واحدة من أكثر الوجهات الرومانسية شهرة في العالم بجمالها المعماري.
تعتبر قلعة هوهنسالزبورغ تحفة معمارية من العصور الوسطى وواحدة من أفضل القلاع المحفوظة في كامل القارة الأوروبية، وتقع القلعة المهيبة على ارتفاع 506 أمتار فوق جبل فيستنغسبيرغ في قلب مدينة سالزبورغ التاريخية، ويمكن الوصول إليها بواسطة القطار الجبلي المائل الذي ينطلق كل 10 دقائق في رحلة تستغرق دقيقة واحدة، وتضم القلعة معالم بارزة تشمل الكنيسة الصغيرة والقاعة الذهبية وغرفة النوم الملكية.
تطل قلعة هوهنورفن الصخرية المهيبة على وادي سالزاخ من أعلى جرف يبلغ ارتفاعه نحو 623 مترًا تقريبًا، وتقع القلعة بالقرب من كهف آيسريزنفيلت الجليدي وتحيط بها جبال تينين وجبال الألب بيرشتسغادن في مشهد ساحر، ويمكن للزوار الاستمتاع بعروض الطيور الجارحة أو المشاركة في ألعاب من العصور الوسطى مثل الرماية، بينما يستمتع الأطفال بمسابقات المعلومات العامة والبولينج والمشي على الركائز الخشبية التقليدية.
يمتد طريق غروسغلوكنر الجبلي على مسافة 48 كيلومتراً ويضم 36 منعطفاً حاداً في عرض رائع لجمال الألب، ويعد هذا المسار أعلى طريق جبلي معبد في النمسا ويربط بين بروك في سالزبورغ وهايلغنبلت في كارينثيا، ويفتح الطريق عادة بين شهري مايو وأكتوبر فقط نظراً لتقلبات الطقس الشتوية القاسية في المرتفعات، حيث يبلغ أقصى ارتفاع له 2504 أمتار ويمنح السائقين إطلالات خلابة على المراعي الخضراء.
توفر مدينة زيلامسي الساحرة أكثر من 80 ميلاً من المنحدرات المغطاة بالثلوج الناعمة لممارسة رياضة التزلج الممتعة، وتطل المدينة على بحيرة زيلر سي الزرقاء الصافية التي تعد مثالاً رائعاً لبحيرات جبال الألب النمساوية النقية، وتأخذ شبكة من المصاعد المسافرين من قلب المدينة إلى جبل شميتنهوه ثم إلى قمة نهر كيتزشتينهورن الجليدي، حيث توفر منصة جيبفيلفيلت 3000 إطلالات بانورامية تشمل جبل غروسغلوكنر الشهير.
تتميز قمة شافبيرغ في قلب جبال سالزكاميرغوت بإطلالة خلابة على بحيرة فولفغانغسي التي تسر الناظرين والزوار، ويمكن الوصول إلى القمة بسهولة عبر خط سكة حديد بخاري تاريخي يعرف باسم شافبيرغبان المتميز جداً، وينطلق هذا القطار من بلدة سانت فولفغانغ وصولاً إلى القمة الجبلية كجزء من جبال الألب الجيرية، مما يجعلها وجهة سياحية مفضلة للعائلات التي ترغب في تجربة تنقل كلاسيكية.
تستغرق الرحلة الجوية المباشرة من فيينا إلى المطارات الرئيسية في المملكة العربية السعودية حوالي 5 إلى 6 ساعات، وتعتبر العملة الرسمية في البلاد هي اليورو الذي ينقسم إلى 100 سنت وتتوفر أوراقه بفئات متنوعة، ويعد فصلا الربيع والخريف أفضل الأوقات للزيارة حيث تعتدل درجات الحرارة وتتألق الطبيعة بألوانها الخلابة، بينما يفضل عشاق التزلج والأنشطة الشتوية زيارة البلاد بين شهري ديسمبر وفبراير.
يعكس المطبخ النمساوي الغني تاريخ وثقافة البلاد من خلال أطباق تقليدية مثل الغولاش الدسم وفطيرة التفاح، وتشتهر فيينا بمقاهيها التاريخية وعاداتها التي تركز على الالتزام بالمواعيد والرسمية واحترام الألقاب العلمية والاجتماعية، كما تحافظ القرى الجبلية على مهرجانات موسمية ومسيرات للماشية تعبر عن الارتباط الوثيق بالأرض والتقاليد، مما يمنح السائح تجربة حضارية متكاملة تمزج بين رقي المدن وبساطة الريف.





