مشروع ترميم يعيد الحياة إلى 20 مبنى داخل حي النصب التاريخي

يجسد حي النصب الأثري بمدينة أبها نموذجا حيا للتراث العمراني في منطقة عسير، حيث تعكس مبانيه وتفاصيله الدقيقة ارتباط الإنسان الوثيق ببيئته الجبلية المحلية، وتبرز الهوية الاجتماعية التي تشكلت عبر أجيال طويلة من الاستقرار في قلب هذه المنطقة التاريخية العريقة.
تتجاور في هذا الحي العتيق المباني الحجرية والطينية في تناغم بصري مذهل، إذ استخدم الأهالي قديما مواد الطبيعة من أحجار صلبة وطين وجذوع أشجار العرعر، مما منح الأزقة الضيقة والممرات المتقاربة طابعا اجتماعيا متماسكا يعزز روح الجيرة والترابط بين سكان المكان.
عمارة السراة الأصيلة
تضم مكونات الحي المعمارية نحو 21 مبنى تراثيا تتفاوت ارتفاعاتها بين دور واحد وثلاثة أدوار، وتتميز هذه الدور بصفوف حجرية متراصة تشكل العنصر الأبرز في الواجهات الخارجية، بينما ترتكز البنايات على أساسات حجرية ضخمة يتجاوز ارتفاعها حدود 2 إلى 3 أمتار.
تطل هذه المنظومة العمرانية على ضفاف وادي أبها والمزارع الخضراء المحيطة بالمنطقة، مما يمنح الموقع بعدا بصريا فريدا يجمع بين التاريخ والطبيعة الخلابة، وتكشف الممرات الضيقة عن نمط هندسي تقليدي يهدف إلى حماية الخصوصية وتسهيل التنقل بين جنبات الحي المختلفة.
مشروع التأهيل الشامل
أعادت هيئة التراث الحياة إلى هذا المعلم التاريخي عبر مشروع ترميم متكامل، استهدف معالجة الواجهات الحجرية والطينية وإعادة تأهيل العناصر الخشبية كالأبواب والنوافذ، مع الحفاظ على الهوية الأصلية للمكان دون الإخلال بمتطلبات السلامة الحديثة ومعايير الاستدامة المتبعة عالميا.
شملت البيانات التنفيذية للمشروع رصف أكثر من 3000 متر مربع من الأرضيات الحجرية، إضافة إلى معالجة ما يزيد على 3000 متر مربع من الجدران المتأثرة بعوامل الزمن، وتنفيذ أعمال لياسة طينية واسعة تجاوزت مساحتها الإجمالية نحو 4500 متر مربع في مختلف المواقع.
المسجد التاريخي العريق
يحتضن الحي بين جنباته مسجد النصب التراثي الذي يعود تاريخ إنشائه لعام 1101 هـ، ويقع هذا المسجد ضمن مشروع الأمير محمد بن سلمان لترميم المساجد التاريخية، حيث تبلغ مساحته 281 مترا مربعا ويتميز بمئذنة مربعة الشكل يصل ارتفاعها إلى 11.92 متر.
يتكون المسجد من مصلى قديم مبني من الحجر والطين وسقفه من خشب العرعر، وإلى جانبه يقع مصلى حديث في الجهة الجنوبية وفناء خارجي مخصص للوضوء، مما يجعله وجهة روحانية وتاريخية هامة تستقطب الزوار والمهتمين بالتعرف على تاريخ البناء الديني في عسير.
ساهمت جهود التطوير في تحديث البنية التحتية عبر تمديد 1000 متر طولي من الشبكات، وتركيب منظومة إنارة متكاملة تضم عشرات الأعمدة والكشافات لتسهيل حركة الزوار ليلا، مع وضع حلول احترازية وأنظمة تصريف فعالة لحماية المباني من مخاطر الأمطار الغزيرة والظروف المناخية.
يمثل حي النصب اليوم رافدا ثقافيا وسياحيا يعزز الوعي بأهمية المواقع الأثرية السعودية، وينسجم هذا التوجه مع مستهدفات رؤية 2030 الرامية لحماية التراث الثقافي السعودي، وتحويل المناطق التاريخية إلى فضاءات حيوية تربط المجتمع بجذوره الأصيلة وتدعم سياحة التراث الوطني المستدامة.





