450 نقشاً عربياً قديماً على جبل واحد جعلته اليونسكو في ذاكرة العالم

تتربع مدينة العلا على عرش الوجهات التاريخية في المملكة العربية السعودية، حيث كانت تمثل قديماً المركز الرئيس لطرق البخور والتوابل والحرير التي ربطت بين شبه الجزيرة ومصر والهند، وتتجلى في جنباتها مهارة الإنسان القديم الذي طوع الصخور لبناء حضارة تحبس أنفاس السياح بعظمتها المعمارية، وتوفر المنطقة لزوارها رحلة عبر الزمن تتشابك فيها خيوط التراث الإنساني الممتد لآلاف الأعوام مع سحر الطبيعة الجبلية والرمال الذهبية.
تبعد العلا مسافة 300 كيلومترًا تقريباً شمال المدينة المنورة في موقع استراتيجي فريد، وتعد حلقة وصل تاريخية كبرى بين طرق التجارة البحرية والبرية التي ربطت حوض البحر الأبيض المتوسط بقارات العالم القديم، ويستطيع المسافرون اكتشاف التنوع البيئي الهائل الذي يحيط بالمدينة القديمة ومواقعها الأثرية المسجلة عالمياً، مما يجعلها وجهة لا غنى عن زيارتها لمن يبحث عن تمازج الأصالة مع الجمال الفطري للصحراء.
مقابر الأنباط الأثرية
تتصدر منطقة الحِجر قائمة المواقع التاريخية الوطنية بفضل احتوائها على 131 مقبرة نبطية محفوظة بعناية فائقة، وتمتد هذه العاصمة الاقتصادية القديمة على مساحة 13.4 كيلومترًا لتعكس الإرث العظيم الذي تركه الأنباط منذ القرن الثاني الميلادي، ويقف الزوار أمام النقوش المحفورة بدقة على الواجهات الصخرية التي سجلتها منظمة اليونسكو كأول موقع للتراث العالمي في المملكة، حيث تبعد هذه الأعجوبة الهندسية حوالي 26 كيلومترًا فقط عن قلب مدينة العلا.
تمتد محمية شرعان الطبيعية على مساحة تقدر بنحو 1500 كيلومتر مربع لتشكل كنزاً بيئياً نادراً، وتعمل الجهود الحثيثة لخبراء الحفاظ على البيئة على حماية الحيوانات المهددة بالانقراض مثل الذئاب العربية والوعل العربي والغزلان، ويستمتع المتنزهون بمشاهدة النعام ذو العنق الأحمر والثعالب الحمراء التي تزدهر في هذا الموطن الطبيعي الخصب، ويقع هذا الملاذ البري جهة الشمال الشرقي من صخرة الفيل الشهيرة بجمال تشكيلاتها الصخرية.
واحات النخيل الخصبة
تنتج بساتين النخيل في واحة العلا ما يزيد عن 90 ألف طن من التمور سنوياً، وتعتبر هذه الغابة الخضراء حجر الزاوية في النظام البيئي للمنطقة حيث توفر الظل لنمو 200 ألف شجرة حمضيات متنوعة، وتضم الواحة أكثر من 2.3 مليون نخلة تساهم في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير الأخشاب والملاذات الطبيعية للسكان، ويجد السياح في مسار الواحة الممتد لستة كيلومترات فرصة مثالية للاسترخاء وسط أشجار المورينجا الكثيفة.
تتلألأ منطقة الفنون الجديدة كمركز ثقافي يجمع بين عراقة المكان وعصرية التصميم الجمالي، وتصطف في شوارعها الجذابة مجموعة من المطاعم والمقاهي الحرفية التي تقدم تجارب طعام من الواحة إلى المائدة مباشرة، ويشاهد المارة جداريات فريدة وفنون شوارع منسقة تحكي قصصاً إنسانية من خلال الخط والطلاء الملون، مما يضفي طابعاً إبداعياً على هذا الحي المخصص للمشاة والذي يبرز وجه العلا الحضاري المتجدد والمواكب لتطلعات الأجيال.
نجوم صحراء غراميل
تبرز منطقة الغراميل كأفضل موقع لمراقبة النجوم بعيداً عن أضواء المدينة الصاخبة وتلوثها البصري، وتوفر الأعمدة الصخرية الغريبة خلفية ساحرة لملايين النجوم التي تظهر بوضوح تام في السماء الزرقاء الداكنة دون الحاجة لاستخدام التلسكوبات، ويستمتع الزوار بجولات ليلية تتضمن تناول وجبات العشاء المشوية حول نار المخيم الدافئة في ليالي اكتمال القمر، حيث تتحول الصحراء إلى لوحة فنية تجسد عظمة الكون وسكون الطبيعة الخلابة.
تضم البلدة القديمة في العلا حوالي 900 منزلًا عتيقًا و500 متجرًا موزعة في ممراتها الضيقة، وتكشف جدرانها المبنية من الطين والطوب عن نمط الحياة الحضري الذي ساد في العصور الماضية ببراعة هندسية، ويستطيع السياح التجول بين هذه الأطلال التاريخية للتعرف على عادات السكان القدامى وطرق بنائهم للمساكن المحصنة، مما يجعل من زيارة البلدة تجربة تعليمية وتراثية غنية تجمع بين عبق الماضي وتفاصيل الحياة اليومية الغابرة.
يشمخ جبل عكمة كأكبر مكتبة مفتوحة في العالم نظراً لاحتوائه على آلاف النقوش التاريخية، ويضم الجبل أكثر من 450 نقشًا عربيًا قديمًا محفوراً بدقة على منحدراته الصخرية الشديدة الانحدار ليروي قصص الحضارات المتعاقبة، وقد تم تسجيل هذا المعلم في ذاكرة العالم التابع لمنظمة اليونسكو خلال عام 2023 نظراً لأهميته المعرفية الكبرى، ويحرص الرواة المحليون على مرافقة الزوار لشرح دلالات هذه الكتابات التي توثق تاريخ المنطقة العريق.





