سوشيال ميديا

كيف تحولت مرافئ كوبنهاجن إلى مساحات مائية نشطة داخل العاصمة؟

شهدت قنوات العاصمة الدنماركية كوبنهاجن ومرافئها تحولاً نوعياً خلال الأعوام الماضية، إذ انتقلت مياهها من حالة التلوث الصناعي إلى نقاء يسمح بممارسة السباحة فيها أمام الجمهور، وأثبتت التحاليل المخبرية التي تجريها الجهات المختصة صلاحية تلك المياه للاستخدام الترفيهي دون قيود، مع استمرار حركة السفن والقوارب في الممرات المائية نفسها.

ويعتمد سكان كوبنهاجن على الدراجات الهوائية كوسيلة نقل رئيسية في تنقلاتهم اليومية، حيث تشير الإحصاءات إلى أن 62% من المواطنين يستخدمونها للذهاب إلى أعمالهم أو مدارسهم، بينما تنخفض نسبة الاعتماد على السيارات الخاصة بشكل مطرد، مما خفف من حدة الزحام المروري في الشوارع الضيقة للمدينة القديمة.

وتحرص بلدية كوبنهاجن على زيادة المساحات الخضراء المحيطة بالأحياء السكنية، من خلال زراعة آلاف الأشجار سنوياً وإنشاء أحزمة غابية مثل غابة ديرافاهن التي تمتد على تخوم المدينة، وتعمل هذه الغابة كممتص طبيعي للكربون، إضافة إلى دورها في خفض درجات الحرارة صيفاً وتوفير موائل للحياة البرية من طيور وثدييات صغيرة.

ويمثل مرفأ كوبنهاجن القديم اليوم وجهة سياحية وترفيهية بعد أن كان مخصصاً للشحن التجاري، حيث تحولت الأرصفة الخرسانية إلى ممشى خشبي ينزل منه السباحون إلى المياه النقية، وترسو فيه قوارب رحلات بحرية تعمل بالطاقة الكهربائية لتجنب أي تسرب نفطي أو ضوضائي قد يؤثر على جودة البيئة المائية.

وتستقبل الغابات المحيطة بالعاصمة أعداداً كبيرة من الزوار خلال عطلات الأسبوع، إذ يقدر عددهم بنحو 300 ألف شخص شهرياً يمارسون رياضة المشي وركوب الدراجات ضمن المسارات المخصصة، وقد ساهم هذا الإقبال في دعم الاقتصاد المحلي عبر افتتاح مقاهي ومطاعم صغيرة على أطراف الغابة تقدم منتجات عضوية من المزارع القريبة.

وتجري فرق الرصد البيئي فحوصات دورية لمياه القنوات والمرافئ بمعدل 4 مرات سنوياً، للتأكد من استقرار نسب الأكسجين وخلو المياه من البكتيريا الضارة والمعادن الثقيلة، وتنشر النتائج على شاشات إلكترونية عند كل نقطة سباحة، مما يمنح السكان والزوار ثقة فورية في سلامة النزول إلى الماء دون خوف.

ويرتبط نظام النقل الأخضر في كوبنهاجن بشبكة من الطرق المخصصة للدراجات فقط، يبلغ طولها الإجمالي 400 كيلومتر، وتمتد من وسط المدينة إلى الغابات والمرافئ والضواحي البعيدة، وقد أدى هذا التوسع إلى زيادة عدد راكبي الدراجات بنسبة ملحوظة، وتقليل انبعاثات عوادم السيارات في الأجواء المزدحمة.

وتغطي مصادر الطاقة النظيفة، مثل الرياح والطاقة الشمسية، نحو 75% من الاستهلاك الكلي للكهرباء في العاصمة، وهو ما ساهم في خفض البصمة الكربونية للمدينة بمقدار النصف مقارنة بالعقد الماضي، وتعمل السلطات حالياً على مشروعات جديدة لرفع هذه النسبة إلى 100% قبل حلول عام 2030، وفقاً للخطة الموضوعة.

وتنسق إدارة الموانئ مع قطاع الغابات للحفاظ على التوازن البيئي بين الأنشطة البحرية والغطاء النباتي، حيث تزرع أشجار مقاومة للملوحة على طول الواجهات المائية، لتشكل حواجز طبيعية تحمي الشواطئ من التآكل وتعزز استقرار التربة، في وقت تواصل فيه الرحلات النهرية جذب السياح الأجانب الذين يفضلون مشاهدة المدينة من الماء.

وتستمر كوبنهاجن في تطوير مرافئها وقنواتها وفق رؤية تجمع بين التراث الصناعي والحداثة الخضراء، إذ لا تزال ورش الصيانة تعمل على تحديث أنظمة تصريف الأمطار لمنع اختلاط مياه الصرف بالقنوات، بينما تتوسع المسارات الخضراء لتشمل أحياء جديدة، مما يجعل العاصمة الدنماركية حالة فريدة في دمج الطبيعة بالنسيج الحضري الكثيف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى