مقالات

دور المغتربين في إعادة تشكيل صورة المدن العربية سياحيا

يتزايد إقبال الجيلين الثاني والثالث من المغتربين العرب في أوروبا وأمريكا على تنظيم رحلات منظمة لزيارة أوطانهم الأم، حيث تشهد دول مثل تونس والمغرب ولبنان ومصر تدفقاً لافتاً من هؤلاء الشباب الراغبين في استكشاف أصولهم العائلية وتاريخ أجدادهم، وتتحول هذه التحركات الإنسانية إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية بارزة تسهم في إنعاش القطاع السياحي المحلي ونقل صورة واقعية ومشرقة عن المجتمعات العربية إلى المجتمعات الغربية.

ترتبط رحلات العودة برغبة حقيقية في تعزيز الهوية الثقافية والروابط العائلية التي كادت أن تتلاشى بفعل المسافات والزمن، ويحرص الزوار الشباب على زيارة البيوت القديمة لعائلاتهم والتعرف على العادات والتقاليد المحلية الموروثة، الأمر الذي يمنحهم شعوراً بالانتماء ويسد الفجوة المعرفية التي واجهوها خلال نشأتهم في بلدان المهجر البعيدة.

تعزيز الهوية الوطنية
يوثق هؤلاء المغتربون تفاصيل رحلاتهم اليومية عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة بأساليب إبداعية ومؤثرة، وتنشر حساباتهم صوراً ومقاطع مرئية لجمال الطبيعة والمعالم التاريخية في مصر وتونس والمغرب ولبنان، مما يساهم في إطلاق حملات ترويجية مجانية وعفوية تجذب انتباه أصدقائهم وزملائهم الأجانب لزيارة هذه الوجهات واكتشاف سحرها.

يدعم هذا النمط من السياحة الاقتصاد المحلي من خلال زيادة نسب الإشغال في الفنادق والمنتجعات والأسواق التقليدية، وينفق الزوار المغتربون مبالغ مالية مهمة لشراء المنتجات الحرفية واليدوية ودعم المشروعات الصغيرة في القرى والمدن التاريخية، مما ينعكس إيجاباً على حياة السكان المحليين ويخلق فرص عمل جديدة للشباب في قطاعات الضيافة والإرشاد.

تنشيط الاقتصاد المحلي
تتكامل هذه الزيارات مع جهود الهيئات السياحية الرسمية التي باتت تطور برامج مخصصة لربط المهاجرين بأوطانهم، وتتضمن هذه البرامج جولات أثرية وثقافية وورش عمل لتعلم اللغة العربية ومبادئ الطهي التقليدي، الأمر الذي يحول الزيارة العابرة إلى تجربة تعليمية متكاملة توثق علاقة المغترب بأرضه وتاريخه على المدى الطويل.

يواجه الشباب في البداية بعض التحديات المتعلقة باختلاف اللغات والأنماط المعيشية بين الشرق والغرب، وتتبدد هذه المخاوف تدريجياً مع الانخراط في تفاصيل الحياة اليومية وتلمس كرم الضيافة العربي الأصيل، وتتحول هذه التحديات إلى تجارب ملهمة يشاركونها مع مجتمعاتهم في الخارج لتصحيح المفاهيم المغلوطة وبناء جسور حقيقية من التواصل الإنساني.

ترسيخ الانتماء الثقافي
تساهم سياحة الجذور في بناء شبكة أمان ثقافية واجتماعية تحمي الأجيال الجديدة من الذوبان الكامل في المجتمعات الغربية، ويحرص الكثير من هؤلاء المغتربين على نقل هذه التجربة إلى أطفالهم في المستقبل لضمان استمرار صلتهم بالوطن، وباتت الهوية العربية تمثل بالنسبة لهم مصدر فخر واعتزاز ينعكس على سلوكهم وإنتاجهم المعرفي والفني في المهجر.

تفتح هذه الظاهرة آفاقاً جديدة للاستثمار الثقافي والسياحي عبر إمكانية تأسيس مشاريع مشتركة بين المغتربين وأبناء وطنهم، وتستفيد الدول العربية من الخبرات العلمية والعملية التي يمتلكها هؤلاء الشباب في تطوير وتحديث آليات الترويج السياحي الرقمي، مما يضمن تدفقاً سياحياً مستداماً يجمع بين العاطفة الإنسانية والمصالح الاقتصادية المتبادلة.

لمياء محمود الأمين العام للاتحاد العربي للإعلام السياحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى