مقالات

ريهام البربري تكتب: في الحضرة الإلهية

في كل مرة ، تحت رُكام تعب الحياة..أجد الملاذ الآمن يناديني، فأهرول مُلبية.. ولسان حالي يدعو “يارب أزل الحُجب ولا تردّ ليّ دعاء”.. أخطو للبيت الحرام بخشوع وشوق وحنين..مستشعرة عظمة وإجلال وحب رب البيت.. تحيطني أجواء إيمانية مهيبة.. لا أدري فيها هل أنا طوافة مع أهل الأرض أم روحي مع أهل السماء طوافة بالبيت المعمور، نبضات قلبي حامدة شاكرة فضل ونعمة وكرم النداء لأقدس بقاع الأرض.. فإن الله إذا أعطى أدهش وأبكى.
الحج هذا العام، كان استثنائياً وناجحاً بحق بعد تطبيق السلطات السعودية لحزمة ضوابط جديدة ساعدت 1.7 مليون حاج على أداء المناسك بسلام وطمأنينة.. أبرزها منظومة “مسافر بلا حقيبة” و”بطاقة نسك” التي يتحقق منها أفراد الأمن السعودي على مدار 24 ساعة للحد من ظاهرة الحج غير النظامي.. كما كانت حفاوة استقبال شركة “الراجحي لخدمات الحجاج” بمشعر عرفات ومنى وجهودهم في تجهيز وإدارة المخيمات، لها عظيم الأثر في نفوس الحجاج، وإن كنا شعرنا ببعض الإستياء من القصور العام في خدمة نظافة دورات المياة إلا أنهم تداركوا المشكلة سريعاً في الساعات الأولى ، وتم دفع المزيد من الأيدي العاملة، مع أهمية الأخذ في الإعتبار، أنه لابد من رفع درجة الوعي السلوكي بين المصريين ، فلا يغيب عن ذاكرتي مناظر القاذورات ملقاة على أرضيات الحمامات، لدرجة أن الأخت الكريمة السيدة “حنان” أغمى عليها في المخيم يوم عرفات لامتناعها عن تناول الطعام والشراب هروباً من استخدام الحمام هناك ، أو كم زجاجات المياة ومخلفات الأطعمة المتناثرة على المفارش والوسائد المخصصة للنوم، أو كم المهدر منها في الممرات!!.. سبحان من حرّم إيذاء المسلم لأخيه ،وجعله من كبائر الذنوب، في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً).
وبعيداً عن الظواهر العلنية، كان ليّ حظاً طيباً في التعرف على قلوب تمضي بخفّة بين الناس، لكنها تحمل ما يكفي لإثقال العمر كله ، ففي مساء يوم التروية، ونحن عائدون من زيارة جبل الرحمة، شاهدت السيدة “حكيمة” ذات ال 71 ربيعاً، والتي أكرمها المولى عز وجل بأداء فريضة الحج و11 عمرة فيما سبق، تسرع الخطى وتتقدم صفوف البعثة أمتاراً، كي لا يرى أحد دموعها المتلألئة على خديها الشريفتين ، فاقتربت منها وحضنتها ،فقالت لي بفخر وكبرياء:” أنها تحج عن ابنها الشهيد ذى ال 41 عاماً” ، ولسانها لم يفتر من قول “الحمدلله” صبراً واحتساباً، سائلة الرحمن الرحيم الرحمة والمغفرة له ولأموات وشهداء المسلمين أجمعين.
وفي ساعة إيمانية آخرى لا تُنسى، وفي حضرة رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه، استمعت بقلبي لكم المصاعب التي مرت بالمهندسة المعمارية الجميلة “إيمان” ذات ال 33 ربيعاً، وهي أرملة أحد أبطال شهداء سيناء، وكيف انتفضت روحي وخانتني دموعي حينما ذكرت أن الله عز وجل مهد لها وقع مصيبة الفقد بالرضا والقبول، وهي لم تبلغ السابعة وعشرين من عمرها في عدة رؤي صالحة، وكيف ظلت تناجي ربها في صمت ثلاث سنوات متصلة تسأله الحج، حتى استجاب وسخر لها جند السماء وأهل الأرض، لتؤدي هذا العام فريضة الحج بلا حول منها ولاقوة، بل وأعانها على إهداء العمرة لزوجها الشهيد، ولسان حالها ينطق بيقين لصغيريها “حمزة وسجى” ما نطقت به السيدة هاجر أم إسماعيل – عليهما السلام- عندما تركها نبي الله إبراهيم -عليه السلام- في وادٍ غير ذي زرع استجابةً لأمر الله:”إن الله لن يضيعنا”.. فسبحان من جعل بكاء وسعي أم في الصحراء بين جبلي الصفا والمروة ركن من أركان الدين نتبعه حتى تقوم الساعة.
وفي إحدي الليالي العطرة بذكر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، رزقني الله بحديث شيق ممزوج بالعمق الفكري والمعرفي مع مهندسة نظم المعلومات السيدة “حنان حسين” التي رزقها الله عز وجل بالحج ثلاث مرات وعدة عمرات، فقد أخذت تحدثني بتحليل فريد عن معجزات القرآن الكريم، وعجائب قصصه،وأنه يجب استثمار أوقاتنا المهدرة في التقرب إلى الله، وأن التحصيل المعرفي هو أمثل الأهداف الدنيوية والأخروية، وذكرتني بكارثة حريق مشعر مِنى عام 1997م، وكيف تدافع الحجاج هروباً من سعير النيران التي أسفرت عن وفاة 343 شخص وإصابة 1500 آخرين، وكيف كان ذلك اليوم أشبه بيوم القيامة ،ورغم ذلك جاهدت هي وزوجها وطفليها واستكملوا كافة مناسك الحج سيراً علي الأقدام، مؤكدة أن حجتها الأولى تلك من أجمل ذكرياتها لأن ما وراء هذا البلاء الشديد رفعة درجات بالجنة ربما كان ميزان حسناتهم عاجزاً عن الوصول إليها، أو ربما كان هناك من يمشي طريقاً ظالماً، وأراد الله له أن يكفر عن ذنوبه بالتوبة والاستغفار، وفي الحالتين يجب على العباد الرضا والتسليم دون جزع أو شكوى عند كل ابتلاء.
أسأل الله أن يتقبل من كل الحجاج طاعاتهم، ويجعل حجهم مبروراً، وسعيهم مشكوراً، وذنبهم مغفوراً، ويرزقهم القبول والرضا، وأن يجزي كل القائمين على خدمة ضيوف الرحمن، بالمملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية خير الجزاء على عظيم جهودهم في توفير سبل الراحة والأمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى