مقالات

سياحة الأدرينالين العربية تكسر احتكار الرمال الذهبية والمتاحف الصامتة

يرفع عشاق المغامرة العربية شعارا جديدا مفاده أن السياحة لا تقف عند حدود الصور النمطية، فقد كان البحر مجرد شاطئ صيفي هادئ، أما اليوم فهو ساحة غوص وسباق مع الأعماق. تغيرت المعادلة في الوجهات العربية خلال العقد الأخير، إذ لم تعد الآثار القديمة وحدها قبلة السائح، بل أصبحت القمم الجليدية والممرات المائية العميقة تملأ الألبومات السياحية. يبحث هؤلاء عن جرعة أدرينالين خالصة، يجدونها في التحديات الجسدية تحت الصفر أو فوق السحب، دون حاجة للسفر إلى أوروبا أو الأمريكتين.

يقف جبل توبقال في المغرب كأعلى قمة شمال إفريقيا، إذ يصل ارتفاعه إلى 4167 مترا، ليكون وجهة المتسلقين الذين يبحثون عن هواء بارد وقلب خفاق. لا يكتفي العرب هنا بالمشي على الثلوج، بل يخوضون تحديات التسلق الليلي والصخور الوعرة، فيما تقدم لهم القرى الأمازيغية دفئا تراثيا نادرا. تشهد المنطقة المحيطة بقمة توبقال ازديادا مضطردا في عدد الرحلات المنظمة التي تستهدف الهواة والمحترفين على السواء، مما جعل المغرب محطة إقليمية لسياحة الجبال الباردة.

يضيف الغواصون العرب فصلا آخر من هذه المغامرة، فالبحر الأحمر ليس مجرد سطح أزرق هادئ، بل عالم من الكهوف المائية والشعاب المرجانية العميقة. تنشط في كل من مصر والسعودية مراكز متخصصة لتعليم الغوص الحر والفني على أعماق تتجاوز الـ30 مترا، حيث تصبح الرؤية اختبارا للشجاعة وليس للجمال فقط. استطاعت مدينة دهب المصرية ووجهة أملج السعودية أن تصنع لنفسيهما اسما دوليا بين مجتمع الغواصين العالمي، بفضل تياراتها القوية وكهوفها التي لا ترحم المترددين.

ويطل لبنان بجباله الغربية على البحر نفسه لكن بقصة مختلفة، فاريا ليست مجرد منتجع صيفي بل واحدة من أندر محطات التزلج على الجليد في العالم العربي. ينحدر المتزلجون من منحدراتها البيضاء بارتفاعات تتراوح بين 1800 و 2400 متر، مستمتعين بثلوج تبقى حتى أواخر الربيع بفضل موقعها الجغرافي الفريد. تمكن السياح العرب من احتراف التزلج على الجليد داخل حدود بلادهم، بعد أن كانوا يسافرون إلى الألب السويسرية أو جبال النمسا الباردة، مما أنعش حركة السياحة الداخلية اللبنانية رغم كل التحديات.

تغامر بعيدا نحو جبال الحجر التي تمتد بين الإمارات وعُمان، حيث تكسر الصخور الجيرية الحادة مفهوم الجبل العربي الناعم. يستخدم المتسلقون هناك أحزمة الأمان والحبال المتخصصة، إذ تواجههم جدران عمودية ووديانا عميقة لم تطأها أقدام سهلة. سجلت ولاية الجبل الأخضر في عمان ورأس الخيمة في الإمارات أرقاما قياسية في عدد رحلات تسلق الجبال خلال عام 2024، مما يعكس تحولا ثقافيا وحضاريا في فهم السياحة العربية. لم يعد الخليج مجرد مناطق تسوق فاخرة أو فنادق عائمة، بل بات أرض اختبار لهواة المغامرات الباردة والساخنة معا.

يخلق هذا المزيج بين الجليد والماء والارتفاع واقعا سياحيا جديدا، يضع العالم العربي على خريطة الرياضات الخطرة والجذابة في آن واحد. تتنافس الآن شركات السياحة المغامرة في تقديم باقات تجمع بين الغوص في الصباح وتسلق الجبال في المساء، مستغلة التنوع الجغرافي الفريد للمنطقة. يدرك المستثمرون العرب أن شريحة الأدرينالين تنمو بسرعة أكبر من شريحة الشواطئ التقليدية، خاصة بين جيل الشباب الباحث عن صور غير مكررة. يبقى السؤال الأهم ليس عن الوجهات المتاحة، بل عن عدد الراغبين في خوض هذه التجارب دون خوف من الصورة النمطية القديمة.

صباح علال رئيس الاتحاد العربي للإعلام السياحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى